شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

التنبيه الثامن لا يقال الرجاء مطلقا أفضل ولا الخوف أفضل

الجزء ٣٣ · صفحة ٤٠٣

التَّنْبِيهُ الثَّامِنُ : لَا يُقَالُ : الرَّجَاءُ مُطْلَقًا أَفْضَلُ ، وَلَا الْخَوْفُ أَفْضَلُ مُطْلَقًا ، بَلْ إنْ اغْتَرَّ الْقَلْبُ وَغَلَبَ عَلَيْهِ دَاءُ الْأَمْنِ أَوْ الْمَعَاصِي فَالْخَوْفُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ غَلَبَ الْقُنُوطُ فَالرَّجَاءُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَلْيَعْتَدِلْ فِي الْخَوْفِ وَالرَّجَاءِ ، كَمَا تَقُولُ : الْخُبْزُ أَفْضَلُ لِلْجَائِعِ ، وَالْمَاءُ أَفْضَلُ لِلْعَطْشَانِ ، وَإِنْ اسْتَوَى الْعَطَشُ وَالْجُوعُ وَاجْتَمَعَا فَالْمَاءُ وَالْخُبْزُ مُسْتَوِيَانِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ فَلْيَعْتَدِلْ لَهُ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ ، وَقَالَ عَلِيٌّ لِبَعْضِ وَلَدِهِ : يَا بُنَيَّ خَفْ اللَّهَ خَوْفًا تَرَى أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ بِحَسَنَاتِ أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَمْ يَتَقَبَّلْهَا مِنْكَ ، وَارْجُ اللَّهَ رَجَاءً تَرَى أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَ بِسَيِّئَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ غَفَرَهَا اللَّهُ لَكَ ، وَعَنْ عُمَرَ لَوْ نُودِيَ : يَدْخُلُ النَّارَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إلَّا رَجُلًا لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَلَوْ نُودِيَ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ النَّاسُ كُلُّهُمْ إلَّا رَجُلًا وَاحِدًا لَخَشِيتُ أَنْ أَكُونَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الِاعْتِدَالِ ، وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُبَالِغُ فِي تَفْتِيشِ قَلْبِهِ حَتَّى كَانَ يَسْأَلُ حُذَيْفَةَ هَلْ يَعْرِفُ بِهِ مِنْ آثَارِ النِّفَاقِ شَيْئًا إذْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَصَّهُ بِعِلْمِ الْمُنَافِقِينَ ، فَمَنْ اعْتَقَدَ نَقَاءَ قَلْبِهِ فَمِنْ أَيْنَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَوْ صَحَّ فَمِنْ أَيْنَ يَأْمَنُ نَقَاءَهُ إلَى حُسْنِ الْخَاتِمَةِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَمْسِينَ سَنَةً حَتَّى لَا يَبْقَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ إلَّا شِبْرٌ وَرُوِيَ إلَّا قَدْرَ فَوَاقِ نَاقَةٍ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ ﴾ ، وَقَدْرُ فَوَاقِ النَّاقَةِ مِقْدَارُ خَاطِرٍ يَخْتَلِجُ فِي الْقَلْبِ عِنْدَ الْمَوْتِ فَيَقْتَضِي خَاتِمَةَ السُّوءِ وَالْأَصْلَحُ لِأَهْلِ هَذَا الزَّمَانِ غَلَبَةُ

١٦٬٤٠٣ / ١٧٬٤٣٨