شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

التنبيه الثاني العمل على الرجاء أعلى منه على الخوف

الجزء ٣٣ · صفحة ٣٧٧

التَّنْبِيهُ الثَّانِي الْعَمَلَ عَلَى الرَّجَاءِ أَعْلَى مِنْهُ عَلَى الْخَوْفِ ، لِأَنَّ أَقْرَبَ الْعِبَادِ إلَى اللَّهِ أَحَبُّهُمْ لَهُ ، وَالْحُبُّ يُغَلَّبُ بِالرَّجَاءِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ يَخْدُمُ السُّلْطَانَ بِاخْتِيَارِهِ لِحُبِّهِ السُّلْطَانَ أَحَبُّ إلَى السُّلْطَانِ مِمَّنْ يَخْدِمُهُ قَهْرًا وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ وَفِي رِوَايَةٍ : ﴿ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِيَعْقُوبَ : أَتَدْرِي لِمَ فَرَّقْتُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ يُوسُفَ ؟ لِأَنَّكَ قُلْتَ : أَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَلَمْ تَرْجُنِي ، وَنَظَرْتَ إلَى غَفْلَةِ إخْوَتِهِ وَلَمْ تَنْظُرْ إلَى حِفْظِي ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ ﴾ ﴿ وَدَخَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ فِي النَّزْعِ فَقَالَ : كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ فَقَالَ : أَجِدُنِي أَخَافُ ذُنُوبِي وَأَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّي ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا اجْتَمَعَا فِي قَلْبِ عَبْدٍ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ إلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ مَا رَجَا وَأَمَّنَهُ مِمَّا يَخَافُ ﴾ .

وَقَالَ عَلِيٌّ لِرَجُلٍ أَخْرَجَهُ الْخَوْفُ إلَى الْقُنُوطِ : يَا هَذَا أَيَأْسُكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ ذُنُوبِكَ ؟ وَقَالَ سُفْيَانُ : مَنْ أَذْنَبَ ذَنْبًا فَعَلِمَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدَّرَهُ عَلَيْهِ وَرَجَا غُفْرَانَهُ غَفَرَ اللَّهُ ذَنْبَهُ لِأَنَّ اللَّهَ عَيَّرَ قَوْمًا فَقَالَ : ﴿ وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمْ الَّذِي ظَنَنْتُمْ ﴾ الْآيَةَ ، وَقَالَ : ﴿ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا ﴾ وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِلْعَبْدِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : مَا مَنَعَكَ إذَا رَأَيْتَ الْمُنْكَرَ أَنْ تُغَيِّرَهُ ؟ فَإِنْ لَقَّنَهُ اللَّهُ حُجَّتَهُ قَالَ : رَبِّ رَجَوْتُكَ وَخِفْتُ النَّاسَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : قَدْ غَفَرْتُ لَكَ ﴾ ، وَذَلِكَ إذَا لَاحَتْ لَهُ

١٦٬٣٧٧ / ١٧٬٤٣٨