التنبيه الثامن لا يقال الرجاء مطلقا أفضل ولا الخوف أفضل
الجزء ٣٣ · صفحة ٤٠٠وَالْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ لَازِمَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ وَيَغْلِبُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَهُمَا يَجْتَمِعَانِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَغِلَ الْقَلْبُ بِأَحَدِهِمَا وَلَا يَلْتَفِتَ إلَى الْآخَرِ فِي الْحَالِ لِغَفْلَتِهِ عَنْهُ ، وَهَذَا لِأَنَّ مِنْ شَرْطِ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ تَعَلُّقُهُمَا بِمَا هُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، فَبِتَقْدِيرِ وُجُودِ الْمَحْبُوبِ يُرَوَّحُ الْقَلْبُ ، فَذَلِكَ الرَّجَاءُ ، وَبِتَقْدِيرِ عَدَمِهِ يَتَوَجَّعُ فَذَلِكَ الْخَوْفُ ، وَذَلِكَ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ ، وَقَدْ يَتَرَجَّحُ بِحُضُورِ بَعْضِ الْأَسْبَابِ وَيُسَمَّى ظَنًّا ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ يَتَلَازَمَانِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ يَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ﴾ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : ﴿ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا ﴾ ، وَلِذَلِكَ عَبَّرَ لِلْعَرَبِ عَنْ الْخَوْفِ بِالرَّجَاءِ فَقَالَ تَعَالَى : ﴿ مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ مَا مِنْ عَبْدٍ مُؤْمِنٍ تَخْرُجُ مِنْ عَيْنِهِ دَمْعَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ رَأْسِ الذُّبَابِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ تُصِيبُ شَيْئًا مِنْ حُرِّ وَجْهِهِ إلَّا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ ﴾ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إذَا اقْشَعَرَّ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَحَاتَّتْ عَنْهُ خَطَايَاهُ كَمَا يَتَحَاتُّ عَنْ الشَّجَرِ وَرَقُهَا ﴾ وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ ﴾ ، قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ : ﴿ مَا النَّجَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَمْسِكْ عَنْكَ لِسَانَكَ وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِكَ ﴾ وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ﴿ : قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَدْخُلُ أَحَدٌ مِنْ أُمَّتِكَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ؛ مَنْ ذَكَرَ ذُنُوبَهُ فَبَكَى ﴾ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ قَطْرَةٍ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ قَطْرَةِ دَمْعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، أَوْ قَطْرَةِ دَمٍ أُهْرِيقَتْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ