تنبهات التسلي عن نوائب الدهر
الجزء ٣٤ · صفحة ٣٦٦تَنَبُّهَاتٌ الْأَوَّلُ : فِي التَّسَلِّي عَنْ نَوَائِبِ الدَّهْرِ بِاسْتِشْعَارِ ثَوَابِهَا أَوْ بِاسْتِشْعَارِ أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ الْمَصَائِبِ ، وَأَنَّ الْمُصَابَ جَالِبٌ لَهَا بِذُنُوبِهِ ، وَأَنَّهَا تَنْقَطِعُ وَغَيْرُ ذَلِكَ ، قِيلَ : الْهُمُومُ الَّتِي تَعْرِضُ لِلْقُلُوبِ كَفَّارَاتُ الذُّنُوبِ ، وَسَمِعَ حَكِيمٌ رَجُلًا يَقُولُ لِآخَرَ : لَا أَرَاك اللَّهُ مَكْرُوهًا ، فَقَالَ : كَأَنَّك دَعَوْت عَلَيْهِ بِالْمَوْتِ فَإِنَّ صَاحِبَ الدُّنْيَا لَا بُدَّ أَنْ يَرَى مَكْرُوهًا ، وَتَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَفَى عَنْك غَيْرَ مَا أَصَابَك وَأَكْبَرَ مِنْهُ ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ : وَيْلٌ خَيْرٌ مِنْ وَيْلَيْنِ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : الدُّنْيَا كُلُّهَا غُمُومٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ سُرُورٍ فَهُوَ رِبْحٌ .
وَقَالَ الْعُتْبِيُّ : إذَا تَنَاهَى الْغَمُّ انْقَطَعَ الدَّمْعُ بِدَلِيلِ أَنَّك لَا تَرَى مَضْرُوبًا بِالسِّيَاطِ وَلَا مُقَدَّمًا لِضَرْبِ الْعُنُقِ يَبْكِي وَأَخْبَرَنِي بَعْضٌ : أَنَّهُ رَأَى فِي تُونُسَ مُقَدَّمًا لِضَرْبِ الْعُنُقِ يَبْكِي ، قُلْت : هَذَا فِيهِ بَقِيَّةُ طَمَعٍ فِي الْحَيَاةِ وَانْتِصَارٌ مَا أَوْ بَلَغَ بِهِ حُبُّ مَا يَخْلُفُهُ مِنْ مَالٍ أَوْ وَلَدٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، أَنَّهُ ذَهِلَ عَنْ نَفْسِهِ فَاشْتَغَلَ بِهِ كَأَنَّهُ نَفْسُهُ ، وَقَالَ وَهْبٌ : إذَا سُلِكَ بِنَا طَرِيقُ الْبَلَاءِ سُلِكَ بِنَا طَرِيقُ الْأَنْبِيَاءِ ، وَقَالَ مُطَرِّفٌ : مَا نَزَلَ بِي مَكْرُوهٌ قَطُّ فَاسْتَعْظَمْتُهُ إلَّا ذَكَرْتُ ذُنُوبِي فَاسْتَصْغَرْتُهُ ، وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ يَوَدُّ أَهْلُ الْعَافِيَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنْ لُحُومَهُمْ كَانَتْ تُقْرَضُ بِالْمَقَارِيضِ لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَهْلِ الْبَلَاءِ ﴾ .
وَرَوَى أَبُو عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ إذَا أَحَبَّ اللَّهُ عَبْدًا ابْتَلَاهُ وَإِذَا أَحَبَّهُ الْحُبَّ الْبَالِغَ اقْتَنَاهُ ، قَالُوا : وَمَا اقْتِنَاؤُهُ ؟ قَالَ : لَا يَتْرُكُ لَهُ مَالًا وَلَا وَلَدًا ﴾ وَمَرَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِرَجُلٍ يَعْرِفُهُ مُطِيعًا لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ مَزَّقَتْ السِّبَاعُ