شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في أركان الدين

الجزء ٣٤ · صفحة ٢١١

يَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ : إنَّ مِنْ أَقَلِّ مَا أُوتِيتُمْ الْيَقِينَ وَعَزِيمَةَ الصَّبْرِ ، وَمَنْ أُعْطِيَ حَظُّهُ مِنْهُمَا لَمْ يُبَالِ مَا فَاتَهُ مِنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَصِيَامِ النَّهَارِ ﴾ ، وَفِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ لِابْنِهِ : يَا بُنَيَّ لَا يُسْتَطَاعُ الْعَمَلُ إلَّا بِالْيَقِينِ وَلَا يَعْمَلُ الْمَرْءُ إلَّا بِقَدْرِ يَقِينِهِ ، وَلَا يُقَصِّرُ عَامِلٌ حَتَّى يَنْقُصَ يَقِينُهُ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مُعَاذٍ : إنَّ لِلتَّوْحِيدِ نُورًا وَلِلشِّرْكِ نَارًا ، وَإِنَّ نُورَ التَّوْحِيدِ أَحَرَقُ لِسَيِّئَاتِ الْمُوَحِّدِينَ مِنْ نَارِ الشِّرْكِ لِحَسَنَاتِ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَرَادَ بِهِ الْيَقِينَ ، وَقَدْ أَشَارَ الْقُرْآنُ إلَى ذِكْرِ الْيَقِينِ دَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْيَقِينَ هُوَ الرَّابِطَةُ لِلْخَيْرَاتِ وَالسَّعَادَةِ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : الْيَقِينُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ يُطْلِقُهُ فَرِيقَانِ لِمَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، أَمَّا النُّظَّارُ وَالْمُتَكَلِّمُونَ فَيَعْنُونَ بِهِ عَدَمَ الشَّكِّ ، إذْ مَيْلُ النَّفْسِ إلَى التَّصْدِيقِ بِالشَّيْءِ لَهُ أَرْبَعُ مَقَامَاتٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَعْتَدِلَ التَّصْدِيقُ وَالتَّكْذِيبُ وَيُعَبِّرَ عَنْهُ بِالشَّكِّ ، كَمَا إذَا سُئِلْت عَنْ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعَاقِبُهُ وَهُوَ مَجْهُولُ الْحَالِ عِنْدَك ؟ فَإِنَّ نَفْسَك لَا تَمِيلُ إلَى الْحُكْمِ فِيهِ بِإِثْبَاتٍ وَلَا نَفْيٍ ، بَلْ يَسْتَوِي عِنْدَك إمْكَانُ الْأَمْرَيْنِ فَيُسَمَّى هَذَا شَكًّا .

الثَّانِي : أَنْ تَمِيلَ نَفْسُك إلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مَعَ الشُّعُورِ بِإِمْكَانِ نَقِيضِهِ ، وَلَكِنَّهُ إمْكَانٌ لَا يَمْنَعُ تَرْجِيحَ الْأَوَّلِ ، كَمَا إذَا سُئِلْت عَنْ رَجُلٍ تَعْرِفُهُ بِالصَّلَاحِ وَالتَّقْوَى بِعَيْنِهِ وَمَاتَ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ هَلْ يُعَاقَبُ ؟ فَإِنَّ نَفْسَكَ تَمِيلُ إلَى أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ أَكْثَرَ مِنْ مَيْلِهَا إلَى الْعِقَابِ ، وَذَلِكَ لِظُهُورِ عَلَامَةِ الصَّلَاحِ ، وَمَعَ هَذَا فَأَنْتَ تُجَوِّزُ اخْتِفَاءَ أَمْرٍ مُوجِبٍ لِلْعِقَابِ فِي بَاطِنِهِ فَهَذَا التَّجْوِيزُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لِذَلِكَ الْمَيْلِ ،

١٦٬٧١١ / ١٧٬٤٣٨