شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في أركان الدين

الجزء ٣٤ · صفحة ٢٢١

فَرَجَعَ الْعَابِدُ إلَى مُتَعَبَّدِهِ فَبَاتَ فَلَمَّا أَصْبَحَ رَأَى دِينَارَيْنِ عِنْدَ رَأْسِهِ فَأَخَذَهُمَا ، وَكَذَلِكَ الْغَدُ ، ثُمَّ أَصْبَحَ الْيَوْمَ الثَّالِثَ وَمَا بَعْدَهُ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَغَضِبَ وَأَخَذَ فَأْسَهُ عَلَى عَاتِقِهِ فَاسْتَقْبَلَهُ إبْلِيسُ عَلَى صُورَةِ شَيْخٍ فَقَالَ : إلَى أَيْنَ ؟ فَقَالَ لَهُ : أَقْطَعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ ، فَقَالَ : كَذَبْت وَاَللَّهِ مَا أَنْتَ بِقَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ لَك إلَيْهَا فَتَنَاوَلَهُ الْعَابِدُ لِيَفْعَلَ بِهِ كَمَا فَعَلَ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَقَالَ : هَيْهَاتَ ، فَأَخَذَهُ إبْلِيسُ وَصَرَعَهُ فَإِذَا هُوَ كَالْعُصْفُورِ بَيْنَ رِجْلَيْهِ وَقَعَدَ إبْلِيسُ عَلَى صَدْرِهِ وَقَالَ : لَتَنْتَهِيَنَّ عَنْ هَذَا الْأَمْرِ أَوْ لَأَذْبَحَنَّكَ فَنَظَرَ الْعَابِدُ فَإِذَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ فَقَالَ : يَا هَذَا غَلَبْتَنِي فَخَلِّ عَنِّي وَأَخْبَرَنِي كَيْفَ غَلَبْتُكَ أَوَّلًا وَغَلَبْتنِي الْآنَ ؟ .

فَقَالَ : لِأَنَّك غَضِبْت أَوَّلَ مَرَّةٍ لِلَّهِ وَكَانَتْ نِيَّتُك الْأُخْرَى فَسَخَّرَنِي اللَّهُ لَك ، وَهَذِهِ الْمَرَّةُ غَضِبْت لِنَفْسِك وَلِلدُّنْيَا فَصَرَعْتُك وَهَذَا كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ إلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمْ الْمُخْلَصِينَ ﴾ ، - بِكَسْرِ اللَّامِ - أَيْ مُخْلِصِي الْعِبَادَةِ - أَوْ بِفَتْحِهَا - أَيْ الَّذِينَ أَخْلَصَهُمْ اللَّهُ لِلْعِبَادَةِ ، وَلَا يَنْجُو مِنْ الشَّيْطَانِ إلَّا الْمُخْلِصُ وَلِهَذَا يَقُولُ مَعْرُوفٌ الْكَرْخِيُّ : يَا نَفْسِي أَخْلِصِي ، وَقَالَ يَعْقُوبُ الْمَكْفُوفُ : الْمُخْلِصُ مَنْ يَكْتُمُ حَسَنَاتِهِ كَمَا يَكْتُمُ سَيِّئَاتِهِ ، وَقَالَ أَبُو سُلَيْمَانَ : طُوبَى لِمَنْ صَحَّتْ لَهُ خَلْوَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُرِيدُ بِهَا إلَّا اللَّهَ تَعَالَى ، وَكَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ : مَنْ خَلَصَتْ نِيَّتُهُ كَفَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ .

١٦٬٧٢١ / ١٧٬٤٣٨