باب في أركان الدين
الجزء ٣٤ · صفحة ٢٢٥الْمَسْجِدِ لِيَخِفَّ عَلَيْهِ كِرَاءُ الْمَسْكَنِ ، أَوْ يَصُومَ لِيَقِلَّ عَلَيْهِ أَكْلُ مَالِهِ ، أَوْ لِيَتَفَرَّغَ لِلْأَشْغَالِ فَلَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا الْأَكْلُ وَالطَّبْخُ ، أَوْ يُعْطِيَ السَّائِلَ لِيَقْطَعَ الْحَاجَةَ فِي السُّؤَالِ عَنْهُ .
قِيلَ : مَنْ سَلِمَ لَهُ مِنْ عُمْرِهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً خَالِصَةً لِوَجْهِ اللَّهِ نَجَا ، وَذَلِكَ لِعِزَّةِ الْإِخْلَاصِ بِأَنْ لَا يَشُوبَ الْعَمَلَ شَيْءٌ فِي ذَاتِهِ وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ سِوَى الْقُرْبِ .
فَإِذَا اسْتَرَاحَتْ نَفْسُهُ إلَى شَيْءٍ خَافَ مِنْهُ الْهَلَاكَ كَمَا مَرَّ أَنَّ بَعْضًا أَعَادَ صَلَاةَ ثَلَاثِينَ عَامًا صَلَّاهَا فِي الصَّفِّ الْأَوَّلِ لِكَوْنِهِ صَلَّى يَوْمًا فِي الثَّانِي لِتَأَخُّرِهِ بِعُذْرٍ فَخَجِلَ أَنْ يُرَى فِي الثَّانِي فَعَلِمَ أَنَّ نَفْسَهُ قَدْ أَحَبَّتْ أَنْ يُرَى فِي الْأَوَّلِ ، وَمِثْلُ هَذَا غَامِضٌ لَا يَنْجُو مِنْهُ إلَّا الْقَلِيلُ ، وَالْغَافِلُ عَنْهُ تُرَى حَسَنَاتُهُ كُلُّهَا سَيِّئَاتٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : ﴿ وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ ﴾ ﴿ وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ ﴾ ، ﴿ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا ﴾ الْآيَاتِ وَأَشَدُّ النَّاسِ تَعَرُّضًا لِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ إذَا بَعَثَهُمْ عَلَى نَشْرِ الْعِلْمِ لَذَّةُ الِاسْتِيلَاءِ وَالْفَرَحِ بِالِاتِّبَاعِ وَالْمَدْحِ ، وَيُلَبِّسُ عَلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ أَنَّ ذَلِكَ نَصْرٌ لِلدِّينِ ، وَالْفَرَحَ بِإِقْبَالِ النَّاسِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَى السُّلْطَانِ بِالْوَعْظِ لَهُ وَلَوْ ظَهَرَ مَنْ هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ وَعْظًا وَانْصَرَفَ النَّاسُ إلَيْهِ عَنْهُ لَسَاءَهُ ذَلِكَ وَلَوْ صَدَقَ لَكَانَ ذَلِكَ أَسَرَّ لَهُ إذْ كَفَّاهُ غَيْرُهُ هَذَا الْمُهِمَّ الْخَطِرَ وَيَشْتَغِلُ بِغَيْرِهِ ، وَرُبَّمَا قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ : غَمُّك لِانْقِطَاعِ الثَّوَابِ ، وَمَا يَدْرِي الرِّضَى بِالْقَضَاءِ أَجْزَلُ ثَوَابًا وَأَنَّهُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ حِينَئِذٍ ، فَلَوْ قِيلَ لَك : إنَّ عُمَرَ اغْتَمَّ بِتَقْدِيمِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، لَكَانَ مَذْمُومًا عِنْدَك وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .