شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في التفكر

الجزء ٣٤ · صفحة ٢٩٣

الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } وَقَالَ : ﴿ أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ إلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ ﴾ ، وَقَالَ ﴿ : أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ ﴾ وَقَالَ : ﴿ إنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ ﴾ وَقَالَ : ﴿ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً ﴾ الْآيَةَ .

فَتَكْرِيرُ النُّطْفَةِ لِيَتَدَبَّرُوا أَنَّ النُّطْفَةَ قَطْرَةٌ مِنْ مَاءٍ قَذِرَةٌ لَوْ تُرِكَتْ سَاعَةً لَضَرَبَهَا الْهَوَاءُ وَفَسَدَتْ وَأَنْتَنَتْ كَيْفَ أَخْرَجَهَا اللَّهُ مِنْ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ ، وَكَيْفَ جَمَعَ بَيْنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَأَلْقَى الْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَقَادَهُمْ بِسَلْسَلَةِ الْمَحَبَّةِ وَالشَّهْوَةِ إلَى الِاجْتِمَاعِ ، وَكَيْفَ اسْتَخْرَجَ النُّطْفَةَ مِنْ الرَّجُلِ بِحَرَكَةِ الْوِقَاعِ ، وَكَيْفَ اسْتَجْلَبَ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ أَعْمَاقِ الْعُرُوقِ وَجَمَعَهُ فِي الرَّحِمِ ثُمَّ كَيْفَ خَلَقَ الْمَوْلُودَ مِنْ النُّطْفَةِ وَسَقَاهُ بِدَمِ الْحَيْضِ وَغَذَّاهُ حَتَّى نَمَا وَكَبُرَ ، وَكَيْفَ جَعَلَ النُّطْفَةَ وَهِيَ بَيْضَاءُ مُشْرِقَةٌ عَلَقَةً حَمْرَاءَ ثُمَّ مُضْغَةً ، ثُمَّ كَيْفَ رَكَّبَ اللُّحُومَ وَالْعَصَبَ وَالْعُرُوقَ وَالْأَعْضَاءَ الظَّاهِرَةَ فَدَوَّرَ الرَّأْسَ وَشَقَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْأَنْفَ وَالْفَمَ وَسَائِرَ الْمَنَافِذِ ، ثُمَّ مَدَّ الْيَدَ وَالرِّجْلَ ، وَقَسَّمَ رُءُوسَهَا بِالْأَصَابِعِ ، وَقَسَّمَ الْأَصَابِعَ بِالْأَنَامِلِ .

ثُمَّ كَيْفَ رَكَّبَ الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ مِنْ الْقَلْبِ وَالْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ وَالرِّئَةِ وَالرَّحِمِ وَالْمَثَانَةِ وَالْأَمْعَاءِ ، كُلٌّ عَلَى شَكْلٍ مَخْصُوصٍ ، وَمِقْدَارٍ مَخْصُوصٍ ، لِعَمَلٍ مَخْصُوصٍ ، وَقَسَّمَ كُلَّ عُضْوٍ إلَى أَقْسَامٍ أُخَرَ ، فَرَكَّبَ الْعَيْنَ مِنْ سَبْعِ طَبَقَاتٍ ، لِكُلِّ طَبَقَةٍ وَصْفٌ مَخْصُوصٌ وَهَيْئَةٌ مَخْصُوصَةٌ لَوْ فُقِدَتْ وَاحِدَةٌ أَوْ زَالَتْ تَعَطَّلَتْ الْعَيْنُ عَنْ الْإِنْظَارِ ، وَلَوْ ذَهَبَ

١٦٬٧٩٣ / ١٧٬٤٣٨