باب في الكف عن الذنوب
الجزء ٣٤ · صفحة ٤٢٨قَدْرُهُنَّ لَوْ صُبَّ بِمَرَّةٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ خَيْرُ الْأَعْمَالِ أَدْوَمُهَا وَإِنْ قَلَّ ﴾ " فَكَذَلِكَ الْخَيْرُ الْكَثِيرُ الْمُنْصَرِمُ ، قَلِيلُ النَّفْعِ ، وَالْقَلِيلُ الدَّائِمُ أَنْفَعُ مِنْهُ ، وَقَلَّمَا تُوجَدُ كَبِيرَةٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَتَقَدَّمَهَا صَغَائِرُ ، وَلَوْ وُجِدَتْ فَالْعَفْوُ عَنْهَا أَقْرَبُ مِنْ الصَّغَائِرِ الْمُوَاظَبِ عَلَيْهَا ، وَتَكْبُرُ الصَّغِيرَةُ أَيْضًا بِاسْتِصْغَارِهَا فَإِنَّ الذَّنْبَ كُلَّمَا اسْتَعْظَمَهُ الْعَبْدُ صَغُرَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَكُلَّمَا اسْتَصْغَرَهُ كَبُرَ عِنْدَ اللَّهِ لِأَنَّ اسْتِعْظَامَهُ يَصْدُرُ عَنْ نُفُورِ الْقَلْبِ عَنْهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ فِيهِ ، وَاسْتِصْغَارُهُ يَصْدُرُ عَنْ الْأُلْفَةِ بِهِ ، فَيَتَمَكَّنُ فِيهِ بِهَا .
وَعَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ﴿ الْمُؤْمِنُ يَرَى ذَنْبَهُ كَالْجَبَلِ يَخَافُ أَنْ يَقَعَ عَلَيْهِ ، وَالْمُنَافِقُ يَرَى ذَنْبَهُ أَبْتَرَ كَذُبَابٍ مَرَّ عَلَى أَنْفِهِ فَأَطَارَهُ ﴾ " وَعَنْ بَعْضِهِمْ : الذَّنْبُ الَّذِي لَا يُغْفَرُ قَوْلُ الْعَبْدِ : لَيْتَ كُلَّ ذَنْبٍ عَمِلْته مِثْلُ هَذَا ، وَإِنَّمَا يَعْظُمُ الذَّنْبُ فِي قَلْبِ الْمُؤْمِنِ لِعِلْمِهِ بِجَلَالِ اللَّهِ ، فَإِذَا نَظَرَ إلَى عِظَمِ مَنْ عُصِيَ بِهِ رَأَى الصَّغِيرَ كَبِيرًا ، وَأَوْحَى اللَّهُ إلَى بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ ﴿ لَا تَنْظُرْ إلَى قِلَّةِ الْهَدِيَّةِ وَانْظُرْ إلَى عِظَمِ مُهْدِيهَا وَلَا تَنْظُرْ إلَى صِغَرِ الْخَطِيئَةِ وَانْظُرْ إلَى كِبْرِيَاءِ مَنْ وَاجَهْته بِهَا ﴾ " ( 1 ) وَاعْلَمْ أَنَّهُ كُلَّمَا غَلَبَتْ حَلَاوَةُ الصَّغِيرَةِ كَبُرَتْ الصَّغِيرَةُ وَعَظُمَ سَوَادُ الْقَلْبِ بِهَا حَتَّى إنَّ فَاعِلَهَا يَتَمَدَّحُ بِهَا فَيَقُولُ : أَمَا رَأَيْت كَيْفَ مَزَّقْت عِرْضَهُ ، وَيَقُولُ الْمُنَاظِرُ : أَمَا رَأَيْتنِي كَيْفَ فَضَحْته ، وَكَيْفَ أَخْجَلْته بِمَسَاوِئِهِ كَيْفَ لَبِسْت عَلَيْهِ .
وَالتَّاجِرُ يَقُولُ : أَمَا رَأَيْت كَيْفَ رَوَّجْت عَلَيْهِ الزَّائِفَ وَكَيْفَ خَدَعْته ، وَكَيْفَ عَيَّنْته فِي مَالِهِ وَتَكْبُرُ الصَّغِيرَةُ بِالتَّهَاوُنِ بِسِتْرِ اللَّهِ إيَّاهَا يَظُنُّ