شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

باب في الكف عن الذنوب

الجزء ٣٤ · صفحة ٤٤٠

الْخَامِسُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي الْحَوَارِيِّ وَأَصْحَابُ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ : إنَّ التَّائِبَ الَّذِي يَبْقَى فِي نَفْسِهِ نُزُوعٌ إلَى الذَّنْبِ وَهُوَ يُجَاهِدُ نَفْسَهُ عَنْهُ أَفْضَلُ لِأَنَّ لَهُ مَعَ التَّوْبَةِ فَضْلَ الْجِهَادِ ، وَقَالَ أَهْلُ الْبَصْرَةِ : التَّائِبُ الَّذِي سَكَنَتْ نَفْسُهُ عَنْ النُّزُوعِ إلَى الذَّنْبِ أَفْضَلُ ، لِأَنَّهُ لَوْ فُتِنَ فِي تَوْبَتِهِ كَانَ أَقْرَبَ إلَى السَّلَامَةِ ، وَالْأَوَّلُ لَوْ فُتِنَ لَوَقَعَ فِيمَا تَابَ عَنْهُ لِأَنَّهُ يَلِيهِ ، قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَالْحَقُّ أَنَّ الَّذِي انْقَطَعَ نُزُوعُ نَفْسِهِ عَلَى حَالَتَيْنِ : الْأُولَى : أَنْ يَكُونَ انْقِطَاعُ نُزُوعِ النَّفْسِ إلَى الذَّنْبِ بِفُتُورِ الشَّهْوَةِ فَقَطْ ، فَالْمُجَاهِدُ أَفْضَلُ لِأَنَّ تَرْكَهَا بِالْمُجَاهَدَةِ لِقُوَّةِ يَقِينِهِ وَاسْتِيلَاءِ دِينِهِ عَلَى شَهْوَتِهِ ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى قُوَّةِ الْيَقِينِ وَقُوَّةِ الدِّينِ ، وَهِيَ قُوَّةُ الْإِرَادَةِ الْمُنْبَعِثَةِ بِإِشَارَةِ الْيَقِينِ الْقَامِعَةِ لِلشَّهْوَةِ الْمُنْبَعِثَةِ بِإِشَارَةِ الشَّيَاطِينِ ، وَتَقُولُ هَذَا أَسْلَمُ إذْ لَوْ فَتَرَ لَمْ يَعُدْ إلَى الذَّنْبِ لَكِنْ مَا هَذَا إلَّا كَقَوْلِك : الْعِنِّينُ أَفْضَلُ مِنْ الْفَحْلِ لِأَنَّهُ فِي أَمْنٍ مِنْ خَطَرِ الشَّهْوَةِ ، وَالصَّبِيُّ أَفْضَلُ مِنْ الْبَالِغِ لِأَنَّهُ أَسْلَمُ .

الثَّانِيَةُ : أَنْ يَبْطُلَ النُّزُوعُ بِسَبَبِ قُوَّةِ الْيَقِينِ وَصِدْقِ الْمُجَاهَدَةِ السَّابِقَةِ فَهَذَا أَفْضَلُ مِنْ الْمُجَاهِدِ الْمُقَاسِي ، ثُمَّ التَّائِبُ الْجَاعِلُ لِذَنْبِهِ نَصْبَ عَيْنَيْهِ يَتَفَكَّرُ فِيهِ وَيَحْتَرِقُ نَدَمًا عَلَيْهِ أَفْضَلُ مِنْ التَّائِبِ النَّاسِي لِذَنْبِهِ ، فَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ أَنْ تَنْصِبَ ذَنْبَك نَصْبَ عَيْنَيْك ، وَقِيلَ : النَّاسِي أَفْضَلُ ، فَحَقِيقَةُ التَّوْبَةِ أَنْ تَنْسَى ذَنْبَك فَهَذَا قَوْلَانِ لِلْمُتَصَوِّفَةِ ، وَكَلَامُهُمْ دَائِمًا أَبَدًا كَاللُّغْزِ إذْ يَنْظُرُونَ إلَى مَا ظَهَرَ لَهُمْ مِنْ أَحْوَالِ أَنْفُسِهِمْ اهْتِمَامًا بِأَنْفُسِهِمْ فَهَذَا كَمَالٌ ، لَكِنَّهُ نُقْصَانٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى دَرَجَةِ الْعِلْمِ الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ

١٦٬٩٤٠ / ١٧٬٤٣٨