شرح النيل وشفاء العليل امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

فصل من شأن العبد أن يهفو أي يزل بالذنب

الجزء ٣٤ · صفحة ٤٧٢

بَلَغَ ثُلُثَ الطَّرِيقِ الْتَفَتَ ، وَإِذَا بَلَغَ نِصْفَ الطَّرِيقِ الْتَفَتَ ، وَإِذَا بَلَغَ ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ الْتَفَتَ ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : رُدُّوهُ ثُمَّ يَسْأَلُهُ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ وَيَقُولُ : لِمَ الْتَفَتَّ ؟ فَيَقُولُ : يَا رَبِّ لَمَّا بَلَغْت ثُلُثَ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك : ﴿ وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ ﴾ قُلْت لَعَلَّك تَغْفِرُ لِي ، وَلَمَّا بَلَغْت نِصْفَ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك : ﴿ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا اللَّهُ ﴾ فَقُلْت لَعَلَّك تَغْفِرُ لِي ، وَلَمَّا بَلَغْت ثُلُثَيْ الطَّرِيقِ تَذَكَّرْت قَوْلَك : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ﴾ ، فَازْدَدْت طَمَعًا ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : " اذْهَبْ فَقَدْ غَفَرْت لَك " .

وَقِيلَ : إنَّ رَجُلًا كَانَ يَقُولُ : إلَهِي أَبْطَأْت ، فَهَتَفَ بِهِ هَاتِفٌ : لَمْ تُبْطِئْ وَإِنَّمَا أَبْطَأَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتُبْ وَالْعَفْوُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَرَدَ بِهِ النَّصُّ مُبَالَغَةً مِنْ الْعَافِي ، وَالْعَفْوُ لَهُ مَعْنَيَانِ : الْأَوَّلُ الْفَضْلُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : ﴿ وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ الْعَفْوَ ﴾ يَعْنِي مَا فَضَلَ مِنْ أَمْوَالِهِمْ ، وَمِنْهُ إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ، وَعَفَا مَالُ فُلَانٍ إذَا كَثُرَ ، فَالْعَفْوُ عَلَى هَذَا الِاشْتِقَاقِ الَّذِي يُعْطِي الْكَثِيرَ وَيَهَبُ الْفَضْلَ الْجَزِيلَ وَالثَّانِي : الْمَحْوُ وَالْإِزَالَةُ ، يُقَالُ : عَفَتْ الرِّيحُ الْآثَارَ إذَا أَزَالَتْهَا ، فَالْعَفْوُ فِي وَصْفِهِ تَعَالَى عَلَى هَذَا إزَالَةُ آثَارِ الْإِجْرَامِ بِجَمِيلِ الْمَغْفِرَةِ ، فَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَعْفُو عَنْ الْعِبَادِ إجْرَامَهُمْ فَيُزِيلُ أَحْكَامَهَا ، وَيُرْوَى أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَالَ فِي آخِرِ مَجْلِسِهِ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِأَقْسَانَا قَلْبًا وَأَجْمَدِنَا عَيْنًا وَأَقْرَبِنَا بِالْمَعْصِيَةِ عَهْدًا ، وَكَانَ فِي بَلَدِهِ مُخَنَّثٌ مَعْرُوفٌ وَقَفَ عَلَى حَلَقَتِهِ فَقَالَ : أَعِدْ هَذَا الدُّعَاءَ ثَانِيًا ، فَأَنَا أَقْسَاكُمْ قَلْبًا ، وَأَجْمَدُكُمْ عَيْنًا ، وَأَقْرَبُكُمْ بِالْمَعَاصِي عَهْدًا

١٦٬٩٧٢ / ١٧٬٤٣٨