باب في فرز دين الله من الأديان
الجزء ٣٥ · صفحة ٤٢فِيهِ الْحُجَّةُ مِنْ الْأُصُولِ ، فَمَنْ خَالَفَهَا هَلَكَ ، وَمِنْهَا مَا لَا حُجَّةَ فِيهِ مِنْهَا فَهَذَا رَأْيُهُمْ فِيهِ مَقْبُولٌ كَمَا يُقَلِّدُ الْحَاكِمُ الشَّاهِدَيْنِ وَيَقْبَلُ مِنْهُمَا مَا شَهِدَا بِهِ وَيْحُكُمْ وَلَوْ كَذَبَا عِنْدَ اللَّهِ ، وَهُمَا حُجَّةٌ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ عِنْدَهُ لِأَنَّهُ خُوطِبَ بِعَدَالَتِهِمَا ، فَلَوْ تَرَكَ شَهَادَتَهُمَا لَظَنَّهَا زُورًا أَوْ وَافَقَ لَكَانَ حُكْمُهُ جَوْرًا لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا مِنْ عَدْلَيْنِ عِنْدَهُ بِظَنِّهِ فَيَحْكُمُ بِهِ .
فَالْحَقُّ قَبُولُهَا وَتَرْكُ الظَّنِّ ، وَكَذَا إذَا حَكَمَ وَهُوَ مِمَّنْ يَثْبُتُ حُكْمُهُ كَانَ حُجَّةً عَلَى الْمُتَحَاكِمَيْنِ عِنْدَهُ حَتَّى يَعْلَمَاهُ ، أَوْ أَحَدُهُمَا بَاطِلًا وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى التَّقْلِيدَ فِي قَوْلِهِ : ﴿ وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ ﴾ - إلَى - ﴿ لَا يَهْتَدُونَ ﴾ ، ﴿ وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ ﴾ - إلَى ﴿ - خَذُولًا ﴾ ﴿ إذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اُتُّبِعُوا مِنْ الَّذِينَ اتَّبَعُوا ﴾ - إلَى - ﴿ مِنْ النَّارِ ﴾ وَهُوَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرٌ ، وَمَنْ السُّنَّةِ مَا رُوِيَ أَنَّ مَشْجُوجًا أَجْنَبَ وَقَدْ انْدَمَلَتْ شَجَّتُهُ ، فَاسْتُفْتِيَ لَهُ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ وَلَمْ يَعْذِرُوهُ ، فَاغْتَسَلَ وَكَرَّتْ عَلَيْهِ وَمَاتَ .
فَأُخْبِرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ﴿ فَقَالَ : قَتَلُوهُ قَاتَلَهُمْ اللَّهُ ﴾ " ، فَلَمْ يَعْذِرْ الْمُسْتَفْتِيَ وَلَا الْمُفْتِيَ ، وَلَعَلَّهُ لَمْ يَتَأَهَّلْ لِلْفَتْوَى ، أَوْ لَمْ يَتَفَكَّرْ هَلْ يَضُرُّهُ الْبَرْدُ ، أَوْ كَيْفَ صِفَةُ جُرْحِهِ ، وَإِذَا رَفَعَ صَحَابِيٌّ خَبَرًا عَنْهُ بِإِيجَابِ فِعْلٍ لَزِمَ مَنْ بَلَغَهُ الْعَمَلُ بِهِ إلَى إتْيَانِ مَا يَنْسَخُهُ فَيَرْجُو اللَّهَ ، وَكَذَا الْحَاكِمُ يَعْمَلُ بِمَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ ، فَإِذَا تَرَجَّحَ عِنْدَهُ غَيْرُهُ رَجَعَ إلَيْهِ .
[ قَالَ ] ابْنُ بَرَكَةَ : كُلُّ مَسْأَلَةٍ لَا يَخْلُو الصَّوَابُ فِيهَا مِنْ أَحَدِ قَوْلَيْنِ إذَا فَسَدَ أَحَدُهُمَا بِالدَّلِيلِ صَحَّ أَنَّ الْحَقَّ فِي الْآخَرِ : { فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلَّا