البعد الحضاري للعقيدة عند الإباضية (نسخة الأطروحة) فرحات بن علي الجعبيري

أدلة منكري الشفاعة لهل الكبائر

الجزء ١ · صفحة ٦٦١

رغم لجوء المنكرين إلى تأويل هذا الحديث عند التسليم بصحته جدلا على انه يخص التائبين فإن الرازي لم يعتبره كافيا وحده بل يعتبر أنه في حاجة إلى الأحاديث الأخرى لتعاضده.

والمتأمل في النص يحار في أمر هذا الحديث فهل كان التحوير بالزيادة أو بالنقصان؟ هل وجد النفي فحذف أو لم يوجد فأضيف ؟ ولابد من أحد الاحتمالين لكن لا نستطيع أن نجزم جزما نهائيا (106) بهذا ولا بذاك وغاية ما هنالك أن الإباضية جزموا بان النفي دخيل وحتى إن وجد فإمامهم جابر بن زيد يعفي أنس بن مالك من أن يكون قد استعمل كلمة كبائر بمفهومها الاصطلاحي وإنما حمل ذلك الاستعمال على التهويل بمفهوم أن حسنات الفجار سيئات عند الأبرار.

لكن لنا أن نتساءل لماذا لم يتفاوض جابر بن زيد مع أنس بن مالك مع ما بينهما من مودة (107) في شأن هذا الحديث ولو فعلا لأراحا الأمة من داء الاختلاف ولكان القول فصلا؟

أما بقية الأحاديث المستشهد بها عند الطرفين فهي لا تزيد الهوة إلا عمقا وكلما اتسعت رقعة الاختلاف كان لها أثر أوسع في سلوك كل من الطرفين (108) .

وبعد التأمل في احتجاج (109) كل من الطرفين- المنكرين والمثبتين- لم يبقى إلا أن ننظر في تحديد الشفعاء وكيف لا يشفعون إلا بإذن الله تعالى.

الشفعاء وحدود شفاعتهم:

قال تعالى: ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين (74 المدثر48).

وقال: ( فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا) (7 العراف 53) في الآيتين إشارة إلى تعدد الشافعين فمن هم هؤلاء…؟

لقد أوردنا في آخر حديث الشفاعة العظمى ما نسب إلى أهل العلم (110) ومفاده أن الرسول صلى الله عليه وسلم يفتح الشفاعة المخزونة ثم يليه في الشفاعة بقية الأنبياء ويذكر النص بعد ذلك الشهداء.

ويفهم من قوله تعالى على لسان الملائكة: ( فاغفر للذين تابوا) (40 غافر4) أن الملائكة يمكنهم الله تعالى من الشفاعة وقد بين جابر بن زيد ذلك بقوله " ما شفاعة والأنبياء إلا للتائبين" (111) .

٦٦١ / ٧٤٦