تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

26

الجزء ٤ · صفحة ٤٢٧

﴿ اللهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ ﴾ قدم المسند إِليه تأْكيدا بإِسنادين ، لأَن فى يبسط ضميره لا للحصر كما قال عبد القاهر وتبعه عليه من لم يتأَمل والذوق لا يقبل أَن قولك زيد يقوم للحصر ، وبسط الرزق توسيعه ، وذلك استئْناف بيانى كأَنه قيل : لو كانت لهم اللعنة وسوءُ الدار ، لم يبسط الله رزقهم؛ فأَجاب بأَن بسطه لهم ليس لرضى الله بكفرهم بل لحكمته أَن يجازيهم فى الدنيا على خير عملوه ، أَو أَن يزدادوا عذابا بكفر النعم وقد يضيق على الكافر لينزجر ، وقد يضيق على المؤمن ليعظم ثوابه لا لإِهانته ، ويبسط له ليزيد شكرا ، ولذلك علق البسط والتضييق بمشيئته لا بقيد كفر أًو إِيمان إجمالا كما قال : ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ ﴿ لِمَنْ يَشَاءُ ﴾ البسط له من كافر ومؤمن ﴿ وَيَقْدِرُ ﴾ يضيقه لمن يشاءُ منهما ﴿ وفَرِحُوا ﴾ أَى كفار مكة أَو عموما فيدخلون بالأَولى ، ويبعد عطفه على ينقضون أَو يفسدون ، على أَن ما بينهما اعتراض ، ووجه البعد أَن الفرح بالحياة الدنيا مثل ينقضون وما بعده فى أَن يجاب به السؤَال المقدر على الاستئناف البيانى فلو كان العطف على ذلك لأَخر قوله : ﴿ الله يبسط الرزق ﴾ إِلخ ، ولم يتعرض به ، ويدل على عدم العطف عليه أَن الثانية بصيغة الماضى ، فإِنه لو جاز ذلك العطف لكن الأَنسب التوافق فى الماضوية أَو المضارعية ﴿ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾ فرح بطر لا فرح سرور بفضل الله وقصد شكر عليه ، وهذا تقبيح لحالهم إِذ ركنوا إلى الدنيا واستعملوا فى المعصية ما أُعطوه ليعبدوا الله - D - به ، والآية دليل على أَن الركون إلى الدنيا حرام ، وفى الآية حذف والأصل ، وفرحوا بنعم الحياة الدنيا ، وبالحياة الدنيا فى النعم ﴿ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِى الآخِرَةِ ﴾ فى جنب حياة الآخرة ، يتعلق بمحذوف حال من المبتدإِ عند مجيز ذلك ، وهو ضعيف لأَن عامل المبتدإِ الابتداءُ ، وهو لا يقيد بالحال إلا أن يعتبر النفى ، والأَولى أَن يتعلق بنسبة الكلام؛ كأَنه قيل : محكوم عليها فى جنب الآخرة ﴿ إِلاَّ مَتَاعٌ ﴾ شىءٌ قليل يتمتع به كما يستصحبه الراعى إلى رعيه نم طعام أَو إِلى أَهله من لبن ضحى أَو يتعجل به المسافر بلا احتفال ، أَو يعطاه وهو راكب أَو غذاءٌ أَو عشاءٌ ، والتنكير للتحقير ، ولو ملكوا ما ملكوا لأَنه لا يكمل ، ويتكدر وينقطع أَو ينقطعون ، أَو المعنى الدنيا مزرعة الآخرة ، نام A على حصير فقام وقد أَثر فى جنبه فقالوا : يا رسول الله لو اتخذنا لك مهدا؟ فقال : ما لى وللدنيا ما أَنا فى الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها .

١٬٩٢٧ / ٦٬٠٩٣