تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

30

الجزء ٤ · صفحة ٤٣١

﴿ كذَلِكَ ﴾ مثل إرسال الرسل قبلك المدلول عليهم بقوله استهزىءَ برسل من قبلك ، وبقوله فى أُمة قد خلت ، وهو مفعول مطلق لقوله ﴿ أَرْسَلْناكَ ﴾ أَو المعنى كما هدى الله من أَناب ، أَو أَرسلنا ، أَو كما جرت العادةُ بالإِضلال والهداية أَرسلناك ، أَو يقدر الأَمر كذلك ﴿ فِى أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهَا أُمَمٌ ﴾ برسلهم فليست رسالتك ببدع فكيف يقولون : البشر لا يكون نبياً ﴿ لِّتَتلُوا عَلَيْهِمُ الَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْك ﴾ وهو القرآن ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَنِ ﴾ بالله الذى نعم الدنيا والآخرة صغيرها وكبيرها فى ملكه ، ولا سيما أَن منها القرآن ، وكفروا به ولم يشكروها ، قيل : أَو باسم الرحمن أنكروا أن يكون الله : ﴿ وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن ﴾ الآية ، سبب نزولها أَهل مكة لهذه الآية ولقول أَبى جهل لما سمع قوله A : « يا الله يا رحمن » قال : محمد نهانا عن عبادة الآلهة ، وهو يدعو إلهين ، ونزلت الآية لذلك ، وخصوص السبب لا ينافى عموم الحكم والكفر باسمه تعالى أَو صفته أَو فعله كفر به ، والمتبادر أَن المراد بالرحمن الذات الواجب لا الاسم فالمراد كفر نعمة ﴿ قُلْ ﴾ لهم يا محمد ﴿ هُوَ ﴾ أَى الرحمن الذي أَنكرتم ذاته بإنكار صفاته أَو اسمه ، أَو أَنكرتم معرفته إِذ قلتم وما الرحمن ﴿ رَبِّى ﴾ مالكى ﴿ لاَ إِلهَ إِلاَّ هُوَ علَيْهِ تَوَكَّلْتُ ﴾ فى نصرى ولك ما أُريد ﴿ وإِلَيْهِ مَتَابِ ﴾ مرجعى بالموت والبعث ، ومرجعكم بهما ، وذكر متابه فقط لأنهم مثله ، كما أرجع إليه ترجعون ، وطلب كفار مكة أن يزيل رسول الله A جبالهما لتتسع للحرث والغرس والبناءِ ، وأن يقطع الأرض بتفجيرها عيونا ، وإظهار معادنها أو بتخشيعها بتلاوة ما تتلوه عليها ، وبأن تكلم به الموتى بعد إِحيائِهم ، قصيا وغيره من آبائِنا ، فيتكلموا به مطلقاً ، أَو يتكلموا به ويصدقوك فنؤْمنم فنزل قوله تعالى :

﴿ وَلوْ أَنَّ قُرْآناً ﴾ بعضاً من القرآن كحرف أو كلمة أو جملة أو آية أو سورة أو أكثر ، وذلك أن بعض القرآن قرآن فكيف يؤْمنون إن لم تسر ولم تقطع أو لم تكلم الموتى ، أو فعلت ذلك بالقرآن كله ، أو المراد القرآن فينكر للعظيم ، أو المراد شيئاً يقرأُ كائِنا ما كان ﴿ سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ ﴾ عن مقارها ، فلست بأَهون على ربك من داود وقد سخر له الجبال تسير معه ، وكذبوا وإنما سخرها تسبح معه ولو قالوا أَلانها له لصدقوا فى إلانتها ، وكما نقل الطور لموسى عن محله لمصالحنا ، جعلت قطعاً للأَنهار والحرث والغرس ، كما قطعت لموسى عيونا ﴿ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْموْتَى ﴾ كإحياء جدنا قصى فإن عيسى يحيى الموتى ، ولست أَهون على ربك منه ، ويروى أن جماعة من المشركين منهم أبو جهل وعبد الله بن أُمية : أَرسلوا إلى النبى A فأتاهم أو مر بهم ، فقال عبد الله بن أُمية : إن سرك أَن نؤمن بك فافعل ذلك ، وزيد : سخر الريح تجربنا إلى الشام لتجرنا وميرتنا ونرجع فى يومنا كسليمان ، ولست أهون منه عند ربك ، وجوب لو محذوف تقديره بعد الموتى لما آمنوا أَو لم يؤْمنوا كما قال :

١٬٩٣١ / ٦٬٠٩٣