3
الجزء ٤ · صفحة ٤٠٤﴿ وَهُوَ الَّذِى مَدَّ الأَرْضَ ﴾ بسطها لمصلحة العباد قال A : « أَول بقعة وضعت من الأَرض موضع البيت ثم مدت منها الأَرض ، وأَول جبل وضعه الله تعالى على وجه الأَرض أَبو قبيس ثم مدت منه الجبال » وليس المد مشعرا بالطول العظيم كما قيل وإنما الطول القصر من خارج ، والآية دليل على أَن الأَرض بسيطة ، وكذا قوله : ﴿ والأَرض بعد ذلك دحاها ﴾ ومثله ولا داعى أنها كرة وأن ما يظهر من بسطها إنما هو لعظمها حتى أن كل قطعة منها تشاهد سطحها ، ودلائِل الفلاسفة فى ذلك كله مدخولة ، ثم إن ظاهر قوله : ﴿ مد الأرض ﴾ أن الأَرض موجودة بلا مد ثم أَوقع عليها المد ، ولا مانع من ذلك ، وعلى أنها خلقت بسيطة من أَول الأَمر فالمعنى أَن البسط الذى فيها من أول وجودها فعل الله D - أَو خلقها بسيطة كضيق فم البئْر ﴿ وَجَعَلَ ﴾ خلق أَو وضع ﴿ فِيهَا رَوَاسِىَ ﴾ أَى جبالا ثوابت تمنعها من الحركة ، والمفرد راس كقاض وجمع على فواعل مع أنه مذكر لأنه غير عاقل ، قال الجار بردى : يجمع فاعل مذكر غير عاقل على فواعل قياسا مطردا ، ومن خصه بالمؤنث قال جمع راسية أَى راسية مفرادا بتاءِ المبالغة فى الرسوخ ﴿ وَأَنْهَاراً ﴾ ينزل ماؤها من السماءِ كما ترى نقص ماءِ العيون بقلة المطر وكثرته لكثرته ، ويكفى فى ذكرهما مع الجبال أَن فاعلهما واحد وهو الله - جل وعلا - والجامع خيالى كقوله تعالى : ﴿ وإِلى الجبال كيف نصبت ، وإِلى الأَرض كيف سطحت ﴾ وأَيضا الجامع التضاد فإِن العيون تسيل بالماءِ والجبال ثوابت ، ولا حاجة إلى ما ذهب إليه بعض الحكماءِ من أَن الجبال لتركبها من أَحجار صلبة إِذا تصاعدت إليها الأَبخرة احتبست فيها فتكاملت فتنقلب مياهها إلى خارج عنها ، وربما خرقتها فخرجت منها مع أَنه كلام فاسد سيحان وجيحان والفرات والنيل من الجنة كما رواه مسلم عن أَبى هريرة مرفوعا ، والأَولان فى أرض الأَرمن ، جيحان نهر المصيصة ، وسيحان نهر أَدنة ، وسيحون نهر الهند وهو أربعمائِة فرسخ ينصب فى بحر الحبشة ، وسيحون نهر بلخ يجرى إلى خوارزم ويتفرف فى أماكن ، وباقيه إلى البحر الذى عليه الجرجانية ، وذكر بعض أَن الأَنهار مائة وستة وتسعون ﴿ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ﴾ من كل متعلق بمحذوف حال من زوجين ، أو يجعل أَى وجعل فيها زوجين اثنين من كل الثمرات ، والزوجان النوعان ، أَو عطف على رواسى أَو أَنها را ، كأَنه قيل : وجعل أَنواعا من الثمرات ، فيكون قوله : جعل فيها ، مستأْنفا بعده ، والزوج الفرد المقابل للآخر كذكر وأنثى ، والنعلين ، وفى الآية الحلو والحامض ، والأَسود والأَبيض والأَصفر مع أًحدهما والآخر مع أحدهما ونحو ذلك ، والحار والبارد واختلاف الروائح ، والصغير والكبير ، أو جعل فيها زوجين زوجين من أَنواع الثمرات حين مدها ثم تشعبت وتكاثرت وتنوعت ، والقول بأَن الثمرات فى أَصلها صنف ثم تشعبت فصارت أَصنافا كثيرة بعيد ، والوصف بالاثنين للتنبيه على أَن القصد إلى الأَفراد لا إِلى الماهية ، والمراد أَقل ما يكون ، وإلا فلا انحصار فى الاثنين كأَبيض حلو بارد كبير ، وأسود مر حار صغير ﴿ يُغْشِى الَّليْلَ النَّهَارَ ﴾ يجعل الله الليل غاشيا النهار يستره بظلمته ، والنهار أيضا غاشيا لليل يستره بنوره ، وإنما لم نحمل الآية عليه لأن الأَنسب بالليل أ ، يكون هو الغاشى ولأَنه إذا لم يكن دليل على أن المقام مقام التأخير أَبقى على حاله ، ولا دليل هنا على أَن الليل مفعول ثان والنهار مفعول أَول فاعل فى المعنى فضلا عن أَن يقال : المعنى يجعل الله النهار غاشيا الليل ، أَو شبه النهار برجل ورمز إليه بِلباس اللباس فتكون الاستعارة مكنية ، وهذه الآية تكونت بالسماءِ ، ولكن الأَثر فى الأَرض بزوال الضوء وحلول الظلمة فجعلت فى آيات الأَرض ، والمشهور أَن النهار زمان ظهور الشمس وانتشار الضوءِ ، وقيل : الضوءُ والليل زمان غروبها ، وقيل : نفس الظلمة ، والغشى هنا التعرض كقوله :