56
الجزء ٦ · صفحة ٢٢٥﴿ قال بل ربُّكم ربُّ السَّموات والأرض الَّذى فطرهُنَّ ﴾ خلقهن مع ما فيهما كتماثيلكم وأنفسكم ، أو فطر تماثيلكم ، ويترجح الأول بالعموم ، ودخول التماثيل فيه بالذات ، والثانى بأن المقام لإبطال التماثيل ، وهن ضمير لا يختص بالعقلاء ، ولو خص به لقيل : إنها عندهم كالعاقل ، ووصفه بالربوبية إيذاناً بأن ما لا يخلف ولا يربى بالنعم على الإطلاق بعيد عن الألوهية .
﴿ وأنا عَلى ذلكُم مِن الشَّاهدين ﴾ على متعلق بمحذوف جوازا أى شاهد على ذلكم المذكور من ضلال عباد التماثيلن وأن رب السموات وأرض وما فيهما ، هو رب كل شىء وإلهه ، لا متعلق بشاهدين ، لأنه صلة أل ، ومعمول الصلة لا يتقدم على الموصول ، وقيل بالجواز للتوسع فى الظروف ، فلا يقدر محذوف وعلى الأول ، وهو تقدير محذوف يكون من الشاهدين زيادة تقرير ، كأنه قيل من جملة الراسخين فى الشهادة ، العالمين علما محققا بمشاهدة البراهين قيل إضراب إبطالى عن اعتقادهم التماثيل آلهة ، وعن أن يكون من اللاعبين بإيراد البرهان ، وهذا من الأسلوب الحكيم إذ مقتضى الظاهر ، بل أنا من الحقين لا من اللاعبين وجاء ببدله وهو قوله : ﴿ بل ربكم ﴾ لأن فيه تحقيق ما أراد ، ونفى اللعب وقرره بقوله : ﴿ وأنا على ذلكم من الشاهدين ﴾ وزاد إذ لم ينفعهم جوابُه شدة بالفعل ، كما قال الله D :
﴿ وتاللَّه لأكيدن ﴾ فى يوم عيدكم هذا ﴿ أصنامكم ﴾ اجتهد فى كسرها باحتيال ، فإن أصل الكيد الاحتيال فى إيجاد ما يضر ، مع إظهار خلافه ، هو يستلزم الاجتهاد ، ولكن أخبرهم ليجمعوا أمرهم فى حفظها ، فإذا كسرها مع ذلك كان أشد غلبة ، أو قال ذلك فى قلبه ، أو حيث لا يسمعون ، وقيل سمعه رجل واحد منهم ، وقيل : سمعه ضعفاء فى آخر الناس فى مشيهم إليها يوم العيد ، وكانت سبعين تمثالا ، وقيل اثنين وسبعين ، والمشهور أن مفيد التعجب من حروف القسم ، هو اللام .
ويجوز فى التاء أن تكون تعجب ، وأن لا تكون وقيل لا تكون الإله وأصل حروف القسم الباء ، إذ يجوز ذكر فعل القسم معهما ، وتجر الظاهر والمضمر والتاء بدل من الواو ، كما فى تجاه والواو قائمة مقام الباء لمناسبة الشفوية فيهما ، مع أن فى الواو معنى قريباً من الإلصاق الذى هو اصل فى الباء ، وقيل ليس حرف قسم أصلا للآخر .
﴿ بعد أنْ تُولُّوا ﴾ ترجعوا فى عبادتها ﴿ مُدْبِرين ﴾ عنها فهو حال مؤكد لعامله ، كذا شهر ، انظر كيف يرغب إبراهيم عليه السلام فى تأكيد توليهم ، فلو قلت بعد أن تولوا تولياً عظيماً أو محققاً لم تقبل . اللهم إلا أن يريد أن تولوا توليا محققا لا يبقى منكم من بتخيل بى فإذا قلنا بعد أن تولوا عنها بأجسامكم مدبرين عن عبادتها ، لم يكن فى ذلك تأكيد ، وهذا أولى أوهمهم فى طريقه معهم الى عيدهم بأنه سقيم من رجليه فى مشيه ، هذا وتركوه فرجع الى الأصنام ﴿ فجعَلهُم جُذاذاً ﴾ عطف على محذوف أى تولوا مدبرين ، فجعلهم جذاذاً ، وكان معهم يترقب ذهابهم أو أتى فجعلهم جذاذاً أى قطعاً بمعنى مجذوذاً ، أى مقطوعاً كالحطام بمعنى محطوم ، أى جلهم شيئاً مقطوعاً ، وهو فى الأصل مصدر يصدق على القيل والكثير .