تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

285

الجزء ١ · صفحة ٣٤٩

﴿ من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ﴾ والاكتساب افتعال ، ومن معانيه المبالغة ، فإن النفس تنجبذ إلى الشر اللائق بها أكثر مما تنجبذ إلى الخير لثله عليها ، أو أصل الشر أن يكون صعبا للعقاب عليه ولخسته بالنهى عنه ، فكأنه لا يرتكب إلا بعلاج ، وليس عليها وزر غيرها ، إلا ما يلحقها بسنها سيئة ﴿ رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَآ ﴾ هذا إلى آخر السورة من جملة ما يحكى بقوله تعالى : وقالوا ، وقوله تعالى : « لا يكلف الله » إلى : ما اكتسبت معترض ، لا كما قيل : إن قوله تعالى : لا يكلف الخ . من مقولهم أيضا ، وما ذكرته من دخول قوله تعالى « ربنا لا تؤاخذنا » فى جملة مقولهم أولى من تقدير ، يقولون ربنا لا تؤاخذنا ، وأولى من قول الحسن : قولوا ربنا لا تؤاخذنا . . . الخ ، والمعنى : لا تؤاخذنا بما يورث النسيان والخطأ من قلة المبالاة وترك التحفظ وغيرهما ، مما يدخل تحت وسعنا وقدرتنا ، وأما نفس النسيان والخطأ فمر فوعان كما فى الحديث ، أعنى رفع العقاب عليهما ، فذلك مجاز بطريق ذكر المسبب فى قوله ﴿ إِن نَّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا ﴾ وهو النسيان والخطأ وإرادة السبب ، وهو قلة المبالاة وما ذكر معها ، ومثل ذلك أن ترى نجسا فى ثوبك أو بدنك قبل وقت الصلاة فتتركه ، فتنى فلا يحسن ذلك ، إذ لولا التأخير لم يقع ذلك ، وقيل : المراد بالنسيان الشرك ، وقيل الخطأ المعصية ، ويجوز إبقاء الكلام على ظاهره ، بأن يكون الأصل المؤاخذة على النسيان والخطأ كالسم يهلك من لم يتعمده كما تعمده ، فتجاوز الله عنهما ، دعوا فأجاب الله لهم من لدن آدم ، فكرروا الدعاء ، أو أمرهم الله أن يدعوا تذكيراً للنعمة واعترافا . والمؤاخذة عليها غير ممتنعة عقلا ، مع أنا لا نعتبر التحسين والتقبيح العقليين فى التكليف ، ويضعف أن يقال هذا الدعاء أول الإسلام ، إذ لا دليل عليه ، ويضعف أن يقال المراد الدعاء بدوام عدم المؤاخذة على النسيان ، والْخطأ ، حتى مات A ، ولم تزل عليه المؤاخذة بهما ، فانقطع الدعاء بدوام عدمها ، أو تدام تعبداً ، والمفاعلة فى تؤاخذنا ليست على بابها ، بل كالمسافرة ، أو على بابها ، بأن يعتبر أن المعصية كالمحاربة لله ﴿ رَبَّنَا ﴾ تأكيد للأول ، أو ربنا استجب لنا ﴿ وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا ﴾ عطف على تؤاخذنا ، أو على استجب المقدر ، والإصر الأمر الثقيل يأصر حامله ، أى يحبسه فى مكة لثقله ، والذين من قبلنا بنو إسرائيل ، كانت عليهم تكاليف شاقة ، كالتكليف بقرض موضع النجس غير العورة فى بعض وفى بعض الأزمة من أجسادهم وثيابهم ، وقتل النفس فى التوبة فى عبادة العجل ، وفى غيرهم ، فى بعض الأشخاص ، يكتب الله على باب أحدهم توبتك من ذنب كذا أن تقتل نفسك ، وخمسين صلاة فى اليوم والليلة ، وكربع المال زكاة ، وقال بعض محشى الكشاف يقطعون الموضع النجس من ثيابهم ومن الجلود التى يلبسونها ، كالخف والقرق لا من أجسادهم ، لأنه يؤدى إلى نجس آخر ، هو الدم ، وليس المراد فى الآية ما أصابهم من مسخ وقذف كما قيل ، لأنه لا تكليف فيه ، والكلام فى التكليف ﴿ رَبَّنَا ﴾ تأكيد أو يقدر ، ربنا ارحمنا ﴿ وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ ﴾ من التكليف ، فهو تأكيد ، أو البلاء والعقوبات فلا تأكيد ، ويستدل بهذا على جواز التكليف بما لا يطاق لكنه غير واقع كما دل عليه ، لا يكلف الهل نفساً إلا وسعها ، ومر كلام فيه ، والمعتزلة لم يقولوا بجوازه فضلا عن وقوعه ﴿ وَاعْفُ عَنّا ﴾ أى امح ذنوبنا ولا تؤاخذنا ﴿ وَاغْفِرْ لَنَا ﴾ عيوبنا ، أى استرها ، فلا تفتضح بها ، أو بذنوبنا دنيا ولا أخرى ، فبعد عدم المؤاخذة يمكن الافتضاح ، وبإعطاء كتبنا فى أيماننا ، وبالجنة ، وقيل اعف عن أفعالنا ، واغفر أقوالنا وارحمنا بثقل الميزان ﴿ أَنتَ مَوْلَنَا ﴾ سيدنا ونحن عبيدك ، ومتولى أمورنا دنيا وأخرى ﴿ فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَفِرِينَ ﴾ أى لأن من حق السيد أن ينصر عبيده ورعيته ، ولذلك كان بفاء السببية ، والنصر على كل كافر ، محارب أو غير محارب ، لأن من شأنهم حب المضرة لأهل الإسلام والذل ، ولا بعد فى شموله كفرة الجن ، لأنهم يضرون الأبدن ويحبون المضرة والذل للمسلمين كما يحبونها لغير المسلمين ، روى مسلم ، لما نزلت هذه الآية ، أى لا يكلف الله نفساً إلى آخر السورة وقرأها A قيل له عقب كل كلمة ، قد فعلت .

٣٤٩ / ٦٬٠٩٣