تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

283

الجزء ١ · صفحة ٣٤٥

﴿ وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ ﴾ فى سفر فعلى ، استعارة تبعية لفى ، لشبه التمكن فى السفر بالركوب على الدابة للتمكن ﴿ وَلَمْ تَجِدُواْ كَاتِباً ﴾ يكتب لكم دينا عقد فى السفر ﴿ فَرِهَنٌ ﴾ جمع رهن ، بمعنى مرهون ﴿ مَّقْبُوضَةٌ ﴾ تستوثقون بها ، أو فالمستوثق به رهان ، أو فعليكم رهان ، أو فلتعقد رهان ، ومعنى مقبوضة أنها على القبض أولا حين عقدها ، أو تعقد ، وإذا شئتم فبضتموها ، وبهذا أقول ، وبه قال مالك ، ويجبر على تسليمه إلى المرتهن ، وإن وصل يده فرده إلى الراهن ، ولو على وجه الحفظ والأمانة بطل ، وقال الجمهور ، إنه لا بد من القبض ، وإلا لم يختص به عن الغرماء ، ولا يجد قبضه إن لم يقبضه عند العقد ، ولنا أنها سميت رهانا قبل القبض ، فذكر أنها مقبوضة بعد ، وذلك لتوثق السفر بالقبض ، وقال مقبوضة ولم يقل تقبضونها ، لأنه أظهر فى شمول القبض ، قبض المرتهن أو نائبه ، والرهن جائز فى الحضر أيضا ، خلافا لمجاهد ، إذ خصه بالسفر ، تبعا للآية . ولم يتعبر الكتابة ، لأنه تكون فيما صح ، فالرهن صح ولو لم يوجد فيه كاتب مجاراة وجمودا منه على لفظ الآية ، وهو خطأ ، ولا سيما حيث اشترط لصحته عدم وجود الكاتب ، كما جاء فى البخارى ومسلم والترمذى وأبى داود والنسائى وابن ماجه ، وأنه A رهن ردعه فى المدينة على عشرين صاعا من يهودى ، وفى البخارى على ثلاثين صاعا ، وخص السفر بالذكر لأنه مظنة فقد الكاتب وآلاته ، والشهادة كالكتابة توثقا وإعوازا ، فاكتفى عن ذكرها وذكر الكتابة ﴿ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضَكُم ﴾ وهو صاحب الحق ﴿ بَعْضاً ﴾ وهو من عليه الحق ألا يخونه فلم يرتهن منه ﴿ فَلْيُؤَدِّ الَّذِى اؤْتُمِنَ ﴾ جعل مأمونا ، وهو من عليه الحق ، ولم يعط رهنا ﴿ أَمَنَتَهُ ﴾ أى الحق الذى عليه ، سماه أمانة لعدم التوثق عليه بالرهن ، كأنه أمانة ﴿ وَلْيَتَّقِ اللهُ رَبَّهُ ﴾ لا ينكره ولا بعضهن ولا يماطله ، بل يجازيه بالوفاء الحسن على جعله أمينا ، ولم يكلفه الرهن ، وقيل ، المعنى ، إن أمن بعض الدائنين بعض المدينين بحس الظن فى سفر أو حضر فلم يتوثق منه برهن ولا كتابة ولا شهادة ، وجمع بين لفظ الألوهية ولفظ الربوبية لمزيد التأكيد فى التحذير عن أموال الناس ﴿ وَلاَ تَكْتُمُواْ الشَّهَدَةَ ﴾ إذا دعيتم لأدائها ، خطاب للشهود فى أى حق ، مبايعة ، حضرا وسفرا وغيرها ، ويضعف أن يجعل الخطاب لهم ، ولمن عليهم الحق ، أو لمن عليهم الحق ، وشهادة من عليهم الحق إقرارهم على أنفسهم ، وفى القرآن تسمية إقرار المرء على نفسه شهادة فى مواضع ، وهو حقيقة ، وقيل مجاز ، وإنما تكون مجازا فى كلام الفقهاء عرفيا ، ولا يتبادر هنا أنها بمعنى الإقرار بما عليه ﴿ وَمَن يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ ﴾ أى الكاتم ﴿ ءَاثِمٌ قَلْبُهُ ﴾ أى اثم قلبه ، أو أن الشأن قلب الكاتم آثم ، وقد علمت أن الهاء للكاتم أو للشأن ، وإذا كانت للكاتم فآثم خبر أن ، وقلبه فاعل آثم ، أو فى آثم ضميره ، وقلب بدل الضمير ، بدل بعض ، أو آثم خبر مقدم وقلبه مبتدأ ، والجملة خبر إن ، وإذا جعل الهاء للشأن فآثم خبر مقدم وقلبه مبتدأ ، والجملة خبر إن ، والوصف ومرفوعه الظاهر على الفاعلية ليسا جملة فلا يفسر بهما ضمير الشأن ، ولو جعل مبتدأ مستغنيا عن الخبر بمرفوع ، وقيل ، هو جملة مع مرفوعه المغنى عن خبره ، وهو الحق ، إلا أنه شهر ، لهذا تقدم النفى أو الاستفهام ، وأسند الإثم للقلب ، لأنه محل الكتم ، وإسناد الفعل إلى جارحته أبلغ ، كما تقول فى التأكيد ، هذا مما أبصرته عينى ، ومما سمعته أذنى ، وعرفه قلبى ، ولأن القلب إذا أثم تبعه غيره كما فى الحديث ، أنه إذا صلح صلح الجسد كله ، وإذا فسد فسد الجسد كله ، وجاء ، أنه إذا أثم العبد حدث فى قلبه نكتة سوداء ، وكلما أذنب حدثت نكتة سوداء حتى يسود كله ﴿ وَاللهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ﴾ فيعاقب الشاهد الكاتم بذلك الحق كله ، كأنه فى ذمته ، كما يعاقب الذى هو فى ذمته .

٣٤٥ / ٦٬٠٩٣