17
الجزء ٨ · صفحة ٢٤٥﴿ ذلك ﴾ التبديل البعيد رتبة فى الضر مفعول به لقوله : ﴿ جَزَيْناهم ﴾ أو مفعول مطلق للجزاء بعده ، وعلى كل حال قدم للتهويل أو للحصر ، أى لا جزاءً آخر ﴿ بما كَفَروا ﴾ بسبب كفرهم النعمة ، أو كفرهم بالرسل الثلاثة عشر ، وذلك قبل سيدنا عيسى عليه السلام ، أو سيل العرم بعده ، والأنبياء قبله ﴿ وهَلْ يجازى ﴾ مثل هذا الجزاء ﴿ إلا الكفور ﴾ المبلغ فى الكفر ، أو هل يجازى بكل ما فعل إلا الكفر ، فعل فى الدنيا تميحصا لا غضبا ، والمجازاة فى الشر والجزاء فى الخير غالبا ، بل لم يرد المجازاة فى القرآن إلا فى هذه الآية فاجزاء فيها للشر .
﴿ وجَعَلنا ﴾ قبل الخراب ﴿ بيْنَهم ﴾ بين بلدتهم التى بنى لها السد ﴿ وبَيْن القُرى التى باركْنا فيها ﴾ هى قرى الشام ، ومنها قرى بيت المقدس ، وعن ابن عباس : قرى بيت المقدس ، والقولان أولى ، لأن المعرف بالبركة ثماراً ودنيا هو تلك البلاد القدسية ، من قول إن : المراد السراوية ، وقول إنه قرى صنعاء ، وقيل قرى مأرب ﴿ قرى ظاهرة ﴾ تظهر لمن فى واحدة الأخرى شدة القرب عند قتادة أربعة آلاف وسبعمائة قرية ، من سبأ الى الشام ، لا يحملون زادا ، ولا يحتاجون يقيلون فى واحدة ، ويبيتون فى أخرى .
وقال المبرد : ظاهرة للناظر من بعيد لكونها على المواضع المرتفعة كالجبال : وذلك شرف لها ، وقيل : متبينة الحسن واللياقة للمار ، وقيل : ظاهرة للمار لكونها علىلطريق يسهل للمار الانتفاع منها ، وعن ابن عطية : خارجة عن المدن الكبار ، وظواهر المدن ما خرج عنها ، وقوله : « جعلنا » إلخ عطف على ما قبله عطف قصة على أخرى ، فهم فى نعم عظيمة فى حضرهم وسفرهم . ﴿ وقدَّرنا فيها السَّير ﴾ جلعنا السير فيما بينها على مقدار لائق ، ففى بمعنى بين ، أو يقدر مضاف أى فى طرقها ، ونكتة فى الاشارة الى أن السر فى خارجها كالسير فى داخلها مبالغة فى ذكر نعمها لهم من شدة القرب ، كأنهم لم يخرجوا منها كما مر عن قتادة . ولو اختلف القرب ، وقيل : من سار صباحا من واحدة وصل الأخرى وقت الظهر ، ومن سار منه وصل الأخرى وقت الغروب ، فبين كل واحدة والأخرى ما بين الصبح والظهر ، أو ما بين الظهر والغروب ، وقيل بين كل قريتين ميل ، وفى كل الأقوال لا يحتاج الى حمل زاد ، ولا الى مبيت فى غير عمران ، وأكد القرب بقوله :
﴿ سِيرُوا فيها ليَالى وأيَّاما آمنِين ﴾ الجملة منصوبة بحال محذوفة أى قائلين بالوحى ، أو بلسان الحال سير والخ ، ومعنى « ليالى وأياما آمنين » متى شئتم لا يختلف الأمن ، ولا يتخلف بوقت لعدو أو سبع أو دابة مضرة لفقد ذلك ، ولو امتد سفركم ليالى وأياما ، وعن قتادة يسيرون فى ذلك أربعة أشهر أو لمرد مدة أعماركم فعبر بليالى وأياما تلويحا بقرب الموت ، وقدم الليل لتقدمه على اليوم ، ولأنه مظنة الخوف ، وضع الله D الا من فيهم حتى لو وجد قاتل أبيه لم يغير عليه بقول .