46
الجزء ٨ · صفحة ٢٧٠﴿ قُل ﴾ يا محمد لهم ﴿ إنَّما إعِظُكم بواحِدةٍ ﴾ ما أعظكم إلا بعظة واحدة ، أو خصلة واحدة ﴿ أن تقُومّوا ﴾ بدل فى التأويل من واحدة ، أو خبر لمحذوف ، أى هى أن تقوموا ، قيل : أو مفعول لأعنى ، وهو مما لا يحسن أن يقال فى حق الله ، وجملة هى أن تقومُوا فى الاحتمال الثانى نعت واحدة ، وقيل : عطف بيان ، ولو تخالف المعطوف عليه والمعطوف تنكيرا وتعريفا ، فان الفعل وحرف المصدر معرفة اذا كان المسند اليه معرفة وهو الواو هنا ، أى قيامكم ، والمراد بقيامهم الجد والاجتهاد ، كما قال ابن جريج فى التفكر لا فى العبادة كما قيل ، لأنهم ليسوا من أهلها ولا بصددها ، وأيضا المقام للتفكر .
وأما قوله : ﴿ لله ﴾ فلا نسلم أنه بمعنى لعبادة الله ، بل معناه فى شأن دين الله الذى أدعيه هل صح ، وقيل : المراد قيامهم عن مجلس رسول الله A ﴿ مَثْنى ﴾ اثنين اثنين ﴿ وفُرادى ﴾ فرادا فردا ، لأن الكثرة بينهما فى الأغلب إذا كانا يدا واحدة على الغير ، وقد شاع أن الفتح بين الاثنين ، وقدمهما على فرادى لأن رأيهما أقرب الى الاطمئنان من الواحد لتعاضدهما ، والواحد اذا قصد الانصاف أدرك الحق ، وقد قال غير واحد من قريش : إنا لم نجرب منه كذبا ، ولا كلامه كلام شاعر ، وانه أرجح عقلا ، وما يقول إلا حقا ، ثم ان بعضا ينسبه الى الشعر مجازفة وتخليطا ، وبعض ينسبه اليه من حيث ان للشاعر حذقة فى الكلام .
﴿ ثم تَتَفكَّروا ﴾ فى شأنى فتعلموا حقيقته وقوله : ﴿ ما بصاحِبكم مِن جنَّة إن هُوا إلا نذيرٌ لكُم بَيْن يَدى عذابٌ شَديدٌ ﴾ مستأنف كلام الله D ونصرة منه تعالى لرسوله A ، بما لا يخفى إلا على مجنون مطبق ، وهو أنه عاقل ، جاء بما جاء من الله D ، وما نافيه ، ويجوز أن تكون الجملة مفعول للتفكر معلقا هو عنها بالاستفهام ، على أن ما استفهامية ، لأن التفكر من أفعال القلوب ، والاستفهام انكارى ، ويجوز أن تكون ما نافية معلقة للتفكر . ويجوز تقدير أن تتفكروا فتعلموا أنه ليس فيه جنون ، ويجوز أن تكون مفعولا لتعلموا المقدر ، أى لتعرفوا الجنون الذى هو فيه ، وذلك تهكم بهم ، يجوز أن تكون من كلام رسول الله A ، وعليه فمقتضى الظاهر ما بى من جنة إن أنا إلا نذير .
وعلى كل وجه عبَّر بصاحب لأنه يظهر من الصاحب للمخالطة ما لا يظهر من غيره ، فان من لم يصاحب يخفى حاله ، والمراد بقوله D : ﴿ بين يدى عذاب شديد ﴾ قرب الساعة كقرب ما بين يديك اليك ، كما قال A : « بعثت أنا والساعة كهاتين » مشيرا الى السبابة والوسطى مضمومتين ، وقال A : بعثنت فى نسم الساعة « والباء بمعنى فى ومن للبيان على استفهامية ما وموصوليتها ، وصلة على أنها حرف نفى .