تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

36

الجزء ٨ · صفحة ٢٦٢

﴿ قلْ إنَّ ربى يبسْطُ لمَنْ يشاءُ ﴾ بسطه له ﴿ ويَقْدر ﴾ يضيقه لمن يشاء ضيقه له ، وليس البسط دليل الكرامة ، ولا القدر دليل الهوان ، وإلا خُص البسط بالمطيع يفعل ما يشاء بحسب الحكمة من البسط للمطيع ، والقدر للعاصى والعكس ، والبسط لهما ، والقدر لهما والبسط لواحد تارة ، والقَدْر له أخرى ، فلا يقاس ثواب الآخرة عقابها على البسط والقدر .

﴿ ولكنَّ أكْثر النَّاس لا يعْلمُون ﴾ ذلك ، فمن قائل : البسط للشرف والكرامة عند الله تعالى ، والقدر للهوان والحقارة ومن متحير معارض له D كيف بسط لفلان ، وقدر على أو على فلان ، قال :

كم عالم عالم أعيت مذاهبه … وجاهل جاهل تلقاه مرزوقا

هذا الذى ترك الأوهام حائرة … وصير العالم النحرير زنديقا

أراد بالعالم النحرير الجنس أو خصوصا نفسه ، فإن أراد التعجب من قضاء الله مؤمناً به فلا بأس ، وإن أراد الجهل والشك فهو كفور ، والمؤمن من قال :

ومن الدليل على القضاء وكونه … بؤس اللبيب وطيب عيش الأحمق

قال محمد القرطبى : إن الغنى إذا كان تقيا يضاعف له الأجر مرتين ، ثم قرأ قوله تعالى : ﴿ وما أموالكم ولا أولادكم بالتى تقربكم ﴾ إلى قوله : ﴿ جزاء الضعف ﴾ الخ وعنه A : « ما أحسن الغنى مع التقوى » وعن عمرو بن العاص عن النبى A : « نعم المال الصالح للرجل الصالح » وعن هشام عن عمر : كرمكم تقواكم ، وشرفكم غناكم ، إحسانكم أخلاقكم ، قال بعض المتقدمين : المال فى الغربة وطن ، والفقر فى الوطن غربة ، ومن جعل الفقر لحافاً فهو غريب أينما كان ، قلت : هذا غنى إذا أنس به ، واطمأن قلبه ، قال سعيد بن المسيب : لا خير فيمن لا يجمع المال من حله ليصل به رحمه ، ويخرج منه حقه ، ويصون به عرضه ، قال هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة رضى الله عنها : قسم ميراث الزبير بن العوام أربعين ألف ألف درهم .

وكان لعبد الرحمن بن عوف ثلاث نسوة ، طلق إحادهن فى مرضه ، فصولحت عن ثلث الثمن على ثلاثة ألفاً ، وعن عمرو بن دينار : غلة طلحة ابن عبيد الله كل يوم ألف ، وقد فضل قوم الغنى لذلك ، ولو حرم لم يتركهم النبى على غناهم ، وشرط ذلك إخراج الحقوق منه ، والنفع به ، وعدم الفخر والكبر به ، وقد اختار بعضهم الفقر من الرجل الصالح على الغنى من الغنى الصالح ، ويناسب الأول قوله تعالى : ﴿ ووجدك عائلا فأغنى ﴾ فلو كان الفقر أفضل لم يغنه .

٣٬٧٦٢ / ٦٬٠٩٣