28
الجزء ٨ · صفحة ٢٥٦﴿ وما أرسلناك إلا كافَّةً ﴾ حال من الناس فى قوله : ﴿ للنَّاس ﴾ أى الى الناس ، وما أرسلناك إلا الى الناس كافة العرب والعجم ، وذلك على جواز تقديم الحال على صاحبها المجرور ، والإرشال يتعدى الى الثانى بالى ، وإذا عدى باللام فمعناها الى وغير ذلك بحسب القصد ، فيجوز اللام بعدها للتعليل ، كما قيل به فى الآية ، ولا إشكال ، وإنما الاشكال فى كون أداة الاستثناء تلاها ما ليس مستثنى ولا مستثنى منه ، ولا تابعا له ، فيجاب بأن الأصل ما أرسلناك للناس إلا كافة .
ومثل ذلك من نية التقديم جائز ، ولا سيما أنه يتوسع فى الظروف ، كما قال مجاهد ، وابن أبى شيبة ، ومحمد بن كعب ، والطبرى ، وقتادة : إن المعنى الى الناس جميعا ، ويجوز أن يكون جامعا للناس ، أو مانعا لهم عن الكفر ، والتاء للمبالغة على هذا ، كرجل راوية ، أى كثير الرواية ، أو مفعولا مطلقا ، أى إلا إرساله كافة ، وهذا تصرف فى مادة الكف ، لا فى كافة التى قالوا تلزم النصب على الحال إلا شاذا ، كقول عمر وتبعه على فى تبليغ قوله : قد جعلت لبنى كاكلة على كافة بيت مال المسلمين لكل عام مائتى مثقال ذهبا إبريزا ، والآية دليل عموم رسالته ، وقيل : يقاس خروجه عن الحالية .
﴿ بَشيراً ﴾ بالجنة لمن أسلم ﴿ ونَذيراً ﴾ بالنار لمن كفر ، والنصب على الحال من كاف ارسلناك ، أو من الضمير فى كافة إذا أبقيناه على الوصفية ، أو على الابدال الكلى من كافة الباقى على الوصفية ، فان الجمع للناس على الدين ، والمنع من الكفر نفس التبشير والانذار ، وفى الحديث : إنى بعثت الى الناس كلهم ، أى من قبلى ومن بعدى ، ومن معى ، فلا يشكل بأن غيره قد بعث الى الناس كلهم ، لأن غيره لم يبعث الى من قبله ، والجن تبع للإنس ، بل قد يطلق الناس عليهم ﴿ ولكنَّ أكثَّر النَّاس لا يعْلمُون ﴾ الحق فيصرون على الضلال .