33
الجزء ٨ · صفحة ٢٦٠﴿ وأسرُّوا ﴾ المستكبرون والمستضعفون ﴿ النَّدامة ﴾ على الضلال والاضلال فى جانب المستكبرين ، وعلى الضلال فى جانب المستضعفين ، ومن الجائز أن تقول : وعلى قبول الاضلال أيضا ، والمقام يدل على قبوله ولو لم يذكروه ، بل المحاورة ، وذكر الأمر صريح فى أنهم قبلوه وندموا ، والمراد وأسروا الندامة حين حضر العذاب كما قال : ﴿ لمَّا رأوا العَذَاب ﴾ قادرون على الكلام ، وبعد حضروه ، فشلوا عن أظهار الندم ، ولو كانوا قد يتقاولون بعد ذلك فى النَّار ، لا يبعد أن يكون المعنى أظهرها قبل حضوره ، وأخفوها فى قلوبهم بعده ، وقيل : الهمزة للسلب ، كأقردت البعير ، وأشكيت زيدا بمعنى أزلت شكواه بالسعى فيما يزيل ضره ، فيكون المعنى : أظهروا الندامة لما رأوا العذاب ، وهو خلاف الظاهر فى لفظ أسر والإظهار هو ندامة ذلك التفاول .
﴿ وجَعَلنا الأغْلال ﴾ القيود ﴿ فى أعْناق الَّذين كَفَروا ﴾ هم الذين استكبروا ، والذين استضعفوا أو هم وكل شقى ممن ليس رئيسا متبوعا فى الضلال ، ولا مرءوسا فيه تابعا لانسان ، بل تبع الشيطان ونفسه ، لكن ان عممنا هذا فى الظالمين فى قوله : ﴿ إذا الظالمون ﴾ لم يخلوا عن رئيس ومرءوس ، وغلام الخضر ليس من أهل النار ، لأنه غير بالغ ، وإن كان بالغا فظاهر فيكون سماه غلاما لقربه من الطفولية ، وان أريد خصوص من ذكر فى الآية ، فالمقام للاضمار ، وأظهر للتصريح بما أوجب العذاب وهو الكفر ﴿ هَل يُجزون إلا ما كانُوا يعْمَلون ﴾ أى لا يجوزن إلا شراً اقتضاه عملهم ، أو لا يجوزن أقل من عملهم ولا أكثر ، وما مفعول مطلق على حذف مضاف ، أى الأجزاء ما كانوا يعملون ، أو يقدر الجار أى إلا بما كانوا ، أو على ما كانوا ، أو عن ما كانوا ، والكل وارد ، والباء أظهر ، وقال الله تعالى تسلية لرسوله A .
﴿ ومَا أرْسلنا فى قَريةٍ ﴾ من القرى ﴿ مِن نذير ﴾ من النذر ﴿ الا قال مُتْرفُوها ﴾ منعَّموها بالأموال والأولاد والجاه ، خصوا بالذكر لشدة غفلة قلوبهم ، وبعدها عن الحق لشدة قسوتها بالنعم ، والاشتغال بأمر الدنيا وأيضا هم السابقون الى التكذيب بالحق ، لمخالفته لزخارفهم وشهواتهم ، وهم الرؤساء فى ذلك والفقراء ، بخلاف ذلك ، فكانت أتباع الرسل الفقراء والضعفاء أولا كما قال المقوقس لرسوله A إليه لما سأله عن أتباعه فقال الضعفاء :
﴿ إنَّا بما أرْسلتْم ﴾ على زعمكم أنكم أرسلتم ﴿ به كافرون ﴾ بما متعلق بكافرون قدم للفاصلة ولسرعتهم الى ذكره ، لأنهم يذكرونه على وجه النفى ، والمعنى مترفو كل قرية قالوا لنبيها إنا كافرون بما أرسلت به ، فجمع رسل القرى فى أرسلتم والمترفون فى إنا وكافرون ، وفى إنا جماعات ، وكذا كافرون ، وفى أرسلتم إفراد الرسل ، والخطاب لهم أو فيه أيضا جماعات كل رسول وأتباعه الرسول ، كالجماعة وأتباعه جماعة ، بل أتباعه جماعات خوطبوا أو قيل : الخطاب لكل رسول تهكماً كأنه جماعة ، أو يريد المترفون إذا خاطبوا نبيا ذلك النبى وسائر الأنبياء ، إنا بما أرسلتم أيها المدعون للرسالة ، أو الآية من مقابلة الجمع بالجمع ، والآية من نوح وما بعده ، بل من شيث ، فيكون اثنان جماعة هو وآدم .