39
الجزء ٨ · صفحة ٢٦٦وعن مجاهد : اقتصد فى النقة إن قل مالك ، ولا تأول هذه الآية فإن الرزق مقسوم ، ولعل ما قسم لك قليل وأنت تنفق نفقة الموسع عليه ، وربما أنفق الإنسان ماله كله ولم يخلف فى الدنيا حتى يموت ، فكأنه أراد قوله تعالى : ﴿ ولا تجعل يدك ﴾ الخ ، وقد اختار بعض الفقير الصالح على الغنى الصالح لقوله تعالى : ﴿ إن الإنسان ليطغى * أن رآه اسْتَغنى ﴾ أخبر أن الغنى يحمله على الطغيان ، وقوله تعالى : ﴿ وما نراك اتَّبعك إلا الذين هم أراذلنا ﴾ فأخبره الله تعالى أن الفقراء هم الذين يتبعون الأنبياء .
وعن أبان ، عن أنس بن مالك ، عنه A : « لكل أحد حرفة وحرفتى اثنتان الفقر والجهاد ، فمن أحبهما فقد أحبنى ، ومن أبغضهما فقد أبغضنى » عن أبى هريرة ، عنه A : « اللهم من أحبنى فارزقه العقاف والكفاف ، ومن أبغضنى فأكثر ماله وولده » وعن مجاهد عن ابن عمر : ما اصاب عبد من الدنيا إلا نقص من درجته عند الله تعالى ، ولو كان كريما عند الله ، وعن عيسى بن مريم عليه السلام ، « الفقر مشقة فى الدنيا ، مسرة فى الآخرة ، والغنى مسرة فى الدنيا ، مشقة فى الآخرة » وعن أنس أنه A قال : « اللهم أحيينى مسكينا وأمتنى مسكيناً واحشرنى فى زمرة المساكين » قيل : ولم ذلك يا رسول الله؟ قال : « لأنهم يدخلون الجنة قبل الأغنياء بأربعين عاماً » ويناسب ذلك أن الغنى يتمنى عند موته أنه فقير ، ولا يتمنى الفقير أنه غنى ، ولو لم يكن للفقير فضيلة سوى أن حسابه فى الآخرة أخف لكانت حجة قيل :
دليلك أن الفقر خير من الغنى … وأن قليل المال خير من المُثْرى
لقاءك مخلقاً عصى الله بالغنى … ولم تر مخلوقاً عصى الله بالفقر
أى عصاه لأنه أحب الفقر ولم يجده كما قيل :
يا عائب الفقر الأ تنزجر … عيب الغنى أكبر لو تعتبر
إنك تعصى لتنال الغنى … ولست تعصى الله كى تفتقر
ووجه تفضيل الفقر مشقة صاحبه ، مشقة ليست فى إعطاء الغنى حق المال وزيادة ، ولا شك أن الحرام كثر الآن والشبه ، فالفقر أفضلُ وقد يكون الخلاف لفظيا ﴿ وهُو خَيْر الرَّازقين ﴾ يكثره ويجعله بغير حساب ، ويطلق لفظ الرازق على غير الله حقيقة ، وقيل مجازا .