32
الجزء ٨ · صفحة ٣١١﴿ ومنَّهُم مُقتصِدٌ ﴾ يكثر السيئات والحسنات ، ولا يصر ، ومن أذنب ولم يقصد أن لا يتوب ، وغفل أو نسى ، فالحقيق أنه ليس مصرا ، ولا سيما أنه يستغفر من الذنوب إجمالا ، وقيل : متقى الكبائر : ولو مات على صغيرة إن لم يقصد الإصرار ﴿ ومنْهُم سابِقٌ بالخَيْراتِ ﴾ بالأعمال الصالحات يسبق الظالم ، والمقتصد بسببها فى الدرجات ، قلت سيئاته ، بطالب المناجاة ، فيبقى للمقتصد طلب الدرجات ، كيف يقال لطالب النجاة : ظالم ، ولا دليل على طلب المناجاة ، ولا يصح تفسيره بتارك الزلة ، والمقتصد بتارك الغفلة ، والسابق بتارك العلاقة ، لأن فى الأخيرين تشديدا لا دليل عليه ، وفى الأول الهجوم باسم الظالم تشديدا أيضا دون استحقاق ، وفى الأول الهجوم والحاضرة والمجاهد ، إذ ليس كل ساكن البادية جاهلا أو عاصيا ، ولا يفسر القرآن بالنظر الى الغالب ، ولا يحسن التفسير بأشخاص كفلان وفلان ، ولا بأنواع متشخصة كمن أسلم بعد الفتح ، ومن أسلم قبله ، ومن أسلم قبل الهجرة بل يحسن التعميم فى الكل ، مع أن فى كل واحد من الثلاثة طالب النجاة إلخ ، وتارك الزلة إلخ ، وساكن البادية إلخ مراتب .
وعن ابن عباس : السابق المؤمن المخلص ، والمقتصد المرائى ، والظالم كافر النعمة غير الجاحد لها ، ففى كلامه إثبات اسم الكفر لكفر النعمة ، ومراده بالمرائى التائب من الرياء أو من لم يخلص رياءه ، ففى بعض الآثار أنه من لم يتمحض رياءه بل له معه قصد من قلبه الى الله تعالى يثاب على ذلك ، وقيل : الظالم أصحاب الكبائر ، والمقتصد أصحاب الصغائر ، والسابق من لا كبيرة ولا صغيرة ، وقيل : الظالم الجاهل ، والمقتصد المتعلم ، والسابق العالم ، وقيل : الظالم من ظاهره خير من باطنه ، والمقتصد من استويا منه ، والسابق من باطنه خير من ظاهره .
﴿ بإذْن الله ﴾ بتيسيره عائد الى سابق فلا يعجب بنفسه ، فان الله الرحمن الرحيم هو الذى أنعم عليه بالتيسير ، وقدم الظالم لكثرته ، ولأن الاقتصاد بعد التوبة من الظلم ومعه ، ولئلا ييأس ، ولأن مبدأ المكلف القصور ، وتلويحا بأنه لا يتقرب إليه إلا بكرمه ، ولأن أول ما يدخل عليه التوبة والاصطفاء ، وبعد المقتصد لقتله بالنسبة الى الظالم ، وقربة من السابق ، وآخر السابق لئلا يعجب ، فلم يبق للمقتصد إلا التوسط ، إذ قدم الظالم لئلا ييأس مثلا ، أو أخر السابق ليتصل بقوله : ﴿ جنات عدن يدخلونها ﴾ فهو يدخلها أيضا قبل ، ويليه فى الدخول المقتصد ، فتلاه فى الذكر ، فهو يدخل تاليا للسابق ، فاتصل به ، والظالم بعدها ، فأخر عن ذكر الجنة بالفصل بهما ، وأيضا وسط المقتصد بينهما فى الذكر ، كما توسط فى الدخول ، قيل : لو قدم سابق بالخيرات بإذن الله على ظالم أو مقتصد لحصل الفصل بقوله : ﴿ بإذن الله ﴾ قلت لا ضير .