5
الجزء ١٠ · صفحة ٧٠﴿ ومَن أضلُّ ممَّن يدعُوا مِن دُون الله من لا يسْتجيب له ﴾ لا أضل من المشركين ولا يساوى لهم ، لأنهم يعبدون أو يسألون حوائجهم من لا يجيب لهم بكلام ولا بقضاء حاجة ، ويتركون القادر المجيب ، أو لا مساوى لهم ، فان استعمال مثل هذا فى المساواة مستمعل وارد مقعول ، فاذا انتفت المساواة انتفت الزيادة ، لأن الزيادة تعتبر بعد ثبوت المساواة تحقيقا أو حكما ولو فى دفعة ﴿ إلى يَوم القيامة ﴾ موت الناس دفعة ، أو البعث من القبور ، وهكذا فى غير هذا المحل بحسب الامكان ، ووجهه أنه من يث يموت الناس كلهم ، يعد الزمان نوعا واحدا الأحياء فى بعضه موتى ، وفى بعضه يبعثون ، وحد نفى الاستجابة بيوم القيامة لها أبدا ، إذ حدها بوقت لا يتوهم إن ثبتت فيه كقولك : لا أكلم عمرا ما دمت حيا ، فبعد الموت أيضا لا تكلمه ، وذلك مما يفهم بالأولى ، ومن باب التنبيه بالأدنى على الأدنى ، وقيل : فى مثل ذلك انه عبارة عن التأييد ، ومن ذلك قوله D : ﴿ حتى جاءهم الحق ﴾ و ﴿ إن عليك لعنتى ﴾ الخ وخالدين فيها ما دامت الخ ، وقولهم : لا اكلمك ما دام ثبير ، وما تقدم أولى ، وهو أنه من باب المفهوم .
والقول الثانى نص فى أنه منطوق ، وذلك فى الغاية الموافقة لما قبل ، كما فى الآية ، والأمثلة ، وقد اختلف أيضا فى المخالفة الجمهور على أنها مفهوم وغيرهم على أنها منطوق ، وادعى بعض أن أهل اللغة على أنها موضوع للمخالفة مثل : ﴿ ولا تنكحوا المشركين حتى يؤمنوا ﴾ و ﴿ حتى تنكح زوجا غيره ﴾ و ﴿ حتى يطهرن ﴾ والصحيح مذهب الجمهور ، وما من المخالفة انما هو بمعاونة المقام ، واذا قيل : أكرم زيدا حتى يستغنى ، يحتمل أنه يجوز اكرامه بعد الاستغناء ، سواء كان هذا الأمر للايجاب أو للندب ، واذا وصف الاصنام بما للعقلاء من استشعار الاستجابة وتركها ، واستشعار التنبيه للشىء وتركه ، والغفله عنه عبر عنها بما للعقلاء ، من لفظ من ، والو وهم جمع المذكر السالم ، وفى وصفهم بالغفلة ، وترك الاستجابة تهكم .
﴿ وهُم عَن دعائهم غافلون ﴾ استعار لفظ الغفلة التى من شأنها أنها من المدرك لعدم الشعور على الأصلية ، واشتق منه غافلا على التبعية ، والجامع عدم والادراك المطلق ، والجمع لمراعاة معنى من بعد مراعاة لفظها ولفظ العقلاء مجاراة لهم فى شأن أنهم يحسبون الأصنام كالعقلاء ، أو تغليبا لمعبود له عقل كالملائكة والجن المعبودين ، واذا اعتبرناهم فغفلهتهم تارة كغفلة الأصنام إذ غابوا عن العابدين ، كمنا لا يسمعها عيسى فى السماء ، وتارة على أصلها ، إذت حضروا وذهلوا ، وتارة ينزلون منولة الذاهل إذ حضروا وعلموا وكرهوا ، أو شغلتهم العبادة عن السمع .
وقد يحضر الجنى ويرضى كأنه كلا عبادة ولا سؤال ، وكذا ميت عبدوه فانه لا شعور له ، كعزير ، فقول جمع بين الحقيقة والمجاز ، أو نحمل الكلام على عموم المجاز وهم وغافلون للمعبودين ، وهاء عبادتهم للعابدين ، من اضافة المصدر للفاعل ، والمفعول محذوف ، أو لمعبودين من اضافة المصدر للمفعول ، وقيل : المعنى ان العابدين غافلوا عن كون عبادتهم من يستجيب ، لا تنفع ، وهو خلاف الظاهر .