تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

111

الجزء ١ · صفحة ٤٦٢

﴿ لَن يَضُرُّوكُمْ إلاَّ أَذَى ﴾ الأذى الضر اليسير ، لن يضروكم أيها المسلمون إلا مضرة أذى بطعن فيكم ، وفى بعض الأنبياء والتثليث والنبوة لعيسى وعزير ، والتحريف والتخويف ، وسب من أسلم منهم كما جعله رؤساؤهم ككعب وأبى رافعٍ وأبى ياسر وكنانة وابن صوريا ، لعنهم الله D ، أما مضرة قتل وسبى وغنم وضرب ونحو ذلك فلا إلا شاذَّا ، أو الاستثناء منثقطع ﴿ وَإن يُقَاتِلُوكُمْ يُوَلَّكُمُ الأَدْبَارَ ﴾ يصيروكم تالين أقفيتهم وظهوركم ومقاعدهم وبواطن سوقهم لفرارهم قدامكم ﴿ ثُمًَّ لاَ يُنصَرُونَ ﴾ بدفع بأسكم عنهم ، أو تغليهم عليكم ، بل يبقون على الذل والهوان ، فالترتيب زمانى باعتباره بين المعطوف عليه وخر أجزاء المعطوف ويجوز أن يكون ترتيب إخبار ، وأن يكون ترتيب ربتة ، أى وأعظم من ذلك بقاءهم عَلَى الذل أبداً ، فلا ينشئون قتالا ، وإن أنشأوه كانت الدائرة عليهم ثم يكونون ، لا يمكن لهم إنشاؤه ، لاستحكام الذل عليهم ، وهكذا حال قريظة والنضير وبنى قينقاع وخيبر وغيرهم ، حاربوا المسلمين ولم يثبتوا ولم يقاتلوا شيئاً ، ولاعطف على جملة لاشرط ، والجزاء لا على الجزاء بدليل ثبوت النون ، وذلك إخبار بالغيب على طبق الواقع ، كما قال الله جل وعلا :

﴿ ضُرِبَتْ ﴾ ألزمت ، كقبة بناء محكمة ﴿ عَلَيْهِمُ الذِّلَةُ ﴾ ضعف القلب فلا يقدرون على نصر أنفسهم ، فهم يقتلون ويؤسرون وتغنم أموالهم ، وتسبى ذراريهم وتؤخذ أرضهم وغيرها ، وتؤخذ عنهم الجزية دون ذلك ، إن أذعنوا لها ولا ملك معتبر ، ولا رئيس معتبر لكفرهم وتمسكهم بالدين المنسوخ وببدعهم ، شبه خزيهم بقبة بجامع الإحاطة ورمز إليها يلازمها ، وهو الضرب ، وهو تخييل فذلك استعارة مكنية تخييلية ، أو شبه الإحاطة بالضرب على الاستعارة الأصلية ، واشتق منه على التبعية ضُرِب ﴿ أَبْنَ مَا ثُقِفُوا ﴾ وجدوا ﴿ إلاّ بِحَبْلٍ مّنَ اللهِ ﴾ أى فى جميع الأحوال إلا حال تلبسهم بعهد الله ، وهو أيضاً حبل من الناس ، كما قال ﴿ وَحَبْلٍ مِّنَ النَّاسِ ﴾ وهما جبل واحد ، كان من الله بخلقه ، ومن الناس يجريه على أيديهم ، وذلك أن يقضى الله أن يكونوا تحت إمام أو رئيس مسلم بالجزية ، أو يحسب ما يظهر له مما هو صلاح للإسلام ، أو تحت كافر يرد عنهم الظلم ، أو حبل الله الجزية ، وحبل الناس ما يرضون به منهم ، أو حبل الله الإسلام وحبل الناس العهد والذمة إن لم يسملوا ، ولم يقل ، أو حبل ، لأن المراد أنه يكون النوعان تارة هذا وتارة ذاك ، وأعنى عن جواب أين ما قبلها ، ولا تقل محذوف دل عليه ما قبله ، إذ لا دليل على أن المراد ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا ضربت عليهم الذلة بالتكرير وأنه حذف الثانى لللأول ﴿ وَبَآهوا ﴾ رجعوا ، وهو كناية عن استحقاقهم بما ذكر بعده من الغضب كما قال ﴿ بِغَضَبٍ ﴾ إرادة الانتقام ، أو نفس الانتقام ﴿ مِنّ اللهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ ﴾ مثل ضربت عليهم الذلة ، ألزموا صورتها كلهم ، أغنياؤهم وفقراؤهم ، لئلا يطالبوا بمال ، أو ليطلبوا بقليل لا كثيرا ، والمراد أنه يكون أكثرهم فقراء ومساكين ﴿ ذَلِكَ ﴾ ما ذكر من ضرب الذلة والمسكنة والبوء بغضب ﴿ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِأيآتِ اللهِ ﴾ يكفرون ببعض التوراة وبالإنجيل والقرآن ﴿ وَيَقْتُلُونَ الأَنبِيَآءَ بِغَيْرٍ حَقٍّ ﴾ تأكيد ، لأن قتل الأنبياء إلا بغير حق ، أو بغير حق فى علمهم أيضا ، وإذا ذُمَت اليهود مثلا بما لم يفعلوا فلرضاهم بفعل أولئلهم ، ولأنهم لو وجدوا لفعلوا ، ألا ترى أنهم تعاطوا قتل النبى A بالصخرة وبالسم وغير ذلك ، أو ذم ذلك الجنس العاصى ، بأن فيهم فعل كذا وفعل كذا ، ولو تفرقت تلك الأفعال فيهم ، ولا يدخل مسلمهم فى ﴿ ذَلِكَ ﴾ أى ما ذكر من قتلهم الأنبياء بغير حق ، وكفرهم بآيات الله ، أو ضرب الذلة والمسكنة والبوء بالغضب ، فيكون علمهن بالكفر والقتل وبالعصيان والإعتداء ، والأول أولى ﴿ بِمَا عَصَوْا ﴾ أى عصوا لاله ، والفيرة تجر إلى الكبيرة ، والكبيرة إلى الشرك ، يضعف بالضغيرة فيفسق ، فيزيد ضعفاً فالفسق فيشرك ، ومثل ذلك أنيترك السنة فيؤديه إلى ترك الفرض ، فيؤديه تركه إلى احتقار الشريعة فيشرك ﴿ وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ﴾ أى ذلك بعصيانهم وكونهم يعتدون ، يتجاوَزن الحدود فيثنا ولون الحرم ، ولهم فى الحلال غنى ، ولا حرام إلا بإزائه حلال مغن عنه .

٤٦٢ / ٦٬٠٩٣