5
الجزء ٢ · صفحة ٥٤﴿ وَلاَتُؤْتُوا ﴾ الخطاب للأَولياء ونحوهم من الأوصياء والأزواج والوكلاء والمحتسبين ﴿ السُّفَهَآءَ ﴾ الأطفال والمجانين والبله ، ومن يضيع ماله أو ينفقه فى المعصية ، أو لا يقوم به من الرجال أو النساء فسفههم سوء ، فعلهم لخفة عقلهم ﴿ أَمْوَالِكُمُ ﴾ أى أموالهم ، ولكن أضافها للأولياء المخاطبين ونحوهم لأنهم امروا أن تكون تحت أيديهم ويحافظوا عليها كأموالهم ويخرجوا زكاتها ، أى لا تتركوها تحت أيديهم إن كانت عندكم فأمسكوها وإلا فخذوها حفظاً لها وذلك يناسبه أن الكلام قبل وبعد فى اليتامى فألحق بهم أمثالهم ، وقيل الخطاب لأصحاب الأموال ، نهوا أن يؤتوها لمن ذكر فيفسدوها ، ويكونوا يطالبونهم بما يحتاجون إليه منها كأنهم غير مالكين لها ، وأمروا بإمساكها وإقامتها والإنفاق منها بما شاءوا عليهم من العدل ، ولا يرد على هذا القول بأن النهى للتحريم ، ولا يحرم عليه أن يعطى من ماله لهؤلاء ، لأن صاحب هذا القول يفسر الإيتاء بالتمكين من المال لا بالتمليك ، نعم القول المعروف المأمور به فى الآ ية يناسب كون الخطاب للأَولياء ، ونحوهم ﴿ الَّتِى جَعَلَ اللهُ ﴾ جعلها الله ﴿ لَكُمْ قِيَاماً ﴾ أى من جنس أموالكم التى تقوم بحياتكم ، وذلك أن الخطاب لنحو الأولياء ، والمال لنحو اليتامى ، لا للأَولياء ، وفيه تأكيد الحفظ ، كما يحفظ الرجل مال نفسه ، أو يقدر جعل الله مثلها لكم قياماً ، وكأنها قيم لهم مع أنها قيم لنحو اليتامى ، وإن جعلنا الخطاب لأصحاب الأموال فالمال مالهم ، وهو قيم لهم ، وسمى ما به القيم قيما ، مبالغة فى السببية ، حتى كأنها نفس القيام ، أو هو اسم لما يقام به ، والأصل قوماً كعوض وحول ، لكن أعلت حملا على قيام ، وقيل هو قيام حذفت ألفه ﴿ وَارْزُقُهُمْ فِيهَا ﴾ أى منها ، أو اجعلوها مكاناً لرزقهم ، أى اجعلوا لهم فيها رزقاً بالتجر فلا تفنى ، لكون الرزق من أرباحها ، كما جاء عنه A الأمر بالتجر بأموال لايتامى ، وهذا أولى من الوجه الأول ، وهو كون فى بمعنى من الابتدائية ، أو التبعية ﴿ وَاكْسُوهُمْ ﴾ منها ، أو اجعلوها مكاناً لكسوتهم بالتجر على حد ما مر ﴿ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً ﴾ يعرف شرعاً بالحسن ، فيتبعه العقل السليم ، وهو ضد المنكر ، مثل أن يقول : إن ربحت فى سفرى أو غنمت فى غزوتى أعطك كذا ، أو حظَّا ، وأن هذا المال مالك إذا بغلت حين القيام به أرده إليك ، ونحو ذلك من الوعد الجميل والقول الحسن ، و منه أمره بالمحافظة على الصلاة ، وسائر الدين ، وترك الإسراف ، وأن عاقبة المسرف الاحتياج إلى الناس ، وروى أن رفاعة مات وترك ابنه صغيراً ، اسمه ثابت ، فقال عمه : يا رسول الله ابن أخى يقيم فى حجرى ، ما يحل لى من ماله؟ ومتى أدفع إليه ماله؟ فنزل قوله تعالى :
﴿ وَابْتَلُوا ﴾ اختبروا ﴿ اليَتَامَى ﴾ قبل البلوغ ببيع ما قل ، وشراء ما قل ، وبيع الطفلة عزلها ونحوه مما قل ، وشراء مثل ذلك ، أو بقوله على تبيع كذا بكذا أو تشتريه بكذا ، أو يعقد بيعاً أو شراء ويحضر له ، فيقول له : هل يصلح هذا فيمضى البيع ، لأن الولى أذن له خلافاً للشافعى فإنه يوقفه على إمضاء الولى ، ولا يشترط اختباره فى دينه خلافاً للشافعى ﴿ حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ ﴾ حد النكاح ، وهو البلوغ بإحدى علامات البلوغ ، فإن لم تكن فخمس عشرة سنة عندنا وعند الشافعية ، لقوله A : إذا استكمل المولود خمس عشرة سنة كتب ماله وما عليه ، وأقيمت عليه الحدود ، أو الطفل أربع عشرة ، والأنثى ثلاث عشرة ، وزعم أبو حنيفة أن مدة البلوغ الذكر ثمانى عشرة سنة والأنثى سبع عشرة ، وله قول كقولنا تفتى به الحنيفة ، وتمسك لقوله الأول بقوله تعالى : حتى يبلغ أشده ، إذ قال ابن عباس : أشده ثمانى عشرة ، وحتى للابتداء والتفريع ، ولا تخلو عن غاية ﴿ فَإِنْ انَسْتُم ﴾ أبصرتم ﴿ مِّنْهُمْ رُشْداً ﴾ صلاحاً فى المال عندنا ، ويدل له قوله : واتبلوا اليتامى ، فإنه فى المال ، قال الشافعى : وفى الدين ﴿ فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ ﴾ فالاختبار قبل البلوغ والدفع بعده ، وبعد الإيناس ، وإن بلغوا ولم يؤنس رشدهم لم يدفع إليهم أموالهم ولو بلغوا خمساً وعشرين سنة أو أكثر ، وزعم أبو حنيفة أنه لا يدفع إليهم أموالهم ولو أونس رشدهم ما لم يبلغوا خمساً وعشرين ، وإذ بلغوها دفعت إليهم دفعت إليهم ولو لم يؤنس رشدهم ، لما روى عن عمر رضى الله عنه : ينتهى لب الرجل إذا بلغ خمساً وعشرين ، ولا تدفع لهم قبل البلوغ ولو أنس رشدهم ، وإن بلغوا ورشدوا وأرادوا أن لا يأخذوا جاز إمساكها إذا كان باختيارهم ، لا خوفاً ولا مداراة ، وزاد سبعاً على مدة البلوغ عنده ، لأن السبع معتبرة فى تغير أحوال الإنسان ، كقول A :