تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

46

الجزء ٢ · صفحة ١٠٦

﴿ مِّنَ الَّذِينَ هَادُوا ﴾ أى نصيرا لكم على الدين هادوا : فمن بمعنى على ، أو تضمن نصيرا معنى مانعا ، وذلك كقوله D : ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا ، وقوله D : فمن ينصرنا من بأس الله ، أو ذلك بيان للذين ﴿ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّواضِعِهِ ﴾ حال أو عت لمبتدأ محذوف ، خبره من الذين ، أى من الذين هادوا قوم يحرفون الكلم عن مواضعه أى يميلونه عن مواضعه ، كتحويل ضفته A ، والحكم فى التوراة إلى أسود وطويل جدا ، أو قصير جدا ، وإلى جعد الشعر ونحو ذلك عن عكسه ، وإلى الجلد عن الرجم ، والتفسير بغير المراد ، إلقاء الشبه والمحو ، وقوله فى المائدة بعد مواضعه أدل مما هنا على ثبوت مقدار الحكم واشتهارها ﴿ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا ﴾ قولك ﴿ وَعَصَيْنَا ﴾ أمرك ونهيك ﴿ وَاسْمَعْ ﴾ قولنا أو كلامنا ﴿ غَيْرَ مُسْمَعٍ ﴾ حال كونك مدعوا عليك بلا سمعت ، لموت أو صمم ، وفيه إن الإنشاء لا يفاد بالمفرد ، وهوغير مسمع إذ ليس جملة اللهم إلا بتوسط السمع ، أو حال كونك غير مسمع ، دعوا بلا سمعت ، فتوهموا أو تجاهلوا أن دعوتهم مستجابة ، أو حال كونك غير مسمع كلاما تدعو إليه ، فإنا لا نجيبك إليه أو حال كونك غير مسمع لكراهته ، أو حال كونك غير مسمع ما تكره ، وهذا منافعة ، كقولهم ، راعنا أو ذلك من التوجيه البديعى ، وهو جعل الكلام ذا وجهين كقوله :

خَاطَ لِى عَمْرٌو قِبَاء … لَيْتَ عَيْنَيْهِ سَوَاءْ

احتمل أن تبصر العين العوراء وأن تعمى الباصرة لأنه أعور ﴿ وَرَاعنَا ﴾ اعتبرنا نكلمك ونفهم كلامك ومر فى البقرة ، أو كلمة عبرانية أو سريانية بمعنى الحمق ، أو أنت راعى ما شيتنا فحذفوا الياء ، وذلك شتم ﴿ لَيَّا ﴾ صرفا ، الأصل لويا ، قلبت الواو وأدغمت فى الياء ﴿ بِأَلْسِنَتِهِمْ ﴾ إلى الحق ظاهراً عن الباطل سرا ﴿ وَطَعْناً فِى الدِّينِ ﴾ أى لأجل اللى والطعن ، أو حل كونهم لاوين وطاعنين ، أو ذوى لى وطعن ، أو حال كونهم ليا وطعناً مبالغة ﴿ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا ﴾ كلامك ﴿ وَأَطْعنَا ﴾ أمرك ونهيك ﴿ وَاسْمَعْ ﴾ كلامنا ﴿ وَانظُرْنَا ﴾ كفى نفهم ﴿ لَكَانَ ﴾ قولهم هذا ﴿ خَيْراً لَّهُمْ ﴾ نفعاً ، أو أحسن ، أى حسناً ، وقولهم السابق قبيح ، ﴿ وَأَقْوَمَ ﴾ أعدل أى عدلا ، أو خيراً وأقوم باقيان على التفضيل باعتبار اعتقادهم ﴿ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللهَ بِكُفْرِهِمْ ﴾ أبعدهم عن الهدى بكفرهم السابق فالذنب يجلب ذنباً وعقاباً ﴿ فَلاَ يُؤْمِنُونَ إلاّ قَلِيلاً ﴾ زماناً قليلا ، ويرجعون للكفر عناداً ، وذلك فى قلوبهم ، وفيما بينهم ، وفى السر أو إلاّ إيماناً قليلا ، وهو إيمان ببعض الرسل وبعض آيات القرآن ، ولا ينفعهم ، أو أريد بالقلة العدم أى إلا إيمانا معدوما ، فهومن أبلغ نفى ، كما تقول قلما فعل زيد كذا ، تريد أنه لا يفعله ألبتة أو النصب على الاستثناء من الواو ، أى قليلا منهم آمنوا أو سيؤمنون .

٦٠٦ / ٦٬٠٩٣