74
الجزء ٢ · صفحة ١٣٢﴿ فَلْيُقاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ لإعلاء دينه ﴿ الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيا ﴾ أخر المبطىء أو أخر غيره ، فليقاتل المخلصون الذين يبيعون الحياة الدنيا ﴿ بِالأَخِرَةِ ﴾ أو قد تأخروا ، أو أخروا غيرهم ، فليتركوا ذلك ويقاتلوا ، ويتركوا شراء الحياة الدنيا بالآخرة ويلتحقون بالمخصين ﴿ وَمَن يُقَاتِلْ فِى سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ ﴾ شهيدا ، مجزوم العطف والفتح نقل ﴿ أَوْ يَغلِبْ ﴾ عدوه فى الله D ، فالواجب على المجاهد أن يقصد بجهاده إعلاء الدين ، ويثبت حتى يقتله العدو شهيداً ، أو يغلب عدوه ، ولا يكون غرضه الغنيمة ، ولا أن يكون مقتولا ، وقى القتال إعزاز الدين ، قتل أو غلب ، وفى موته إعزاز نفسه بالشهادة ﴿ فَسَوفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً ﴾ ترغيب فى الجهاد إذ كان فيه الأجر العظيم ، سواء أكان مقتولا أو غالبا وتكذيب لقولهم قد أنعم الله علىَّ إذ لم أكن معهم شهيداً ، وزاد تحريضا بقوله :
﴿ وَمَا لَكُمْ لاَ تُقأتِلُونَ فِى سَبِيلِ اللهِ ﴾ وفيه توبيخ لمن قصر ﴿ وَألْمُسْتَضْعَفِينَ ﴾ وفى تخليص المستضعفين ، كقوله : علفتها تبيناً وماء ، أى وسقيتها ماء ، فالعطف على سبيل ، ولا مانع من ترك التقدير ، لأن القتال سبيل الله ، وسبيل للمستضعفين ، لأن ما هو دين اله دين لهم ، وشأن لهم ، أو سبيلهم تخليصهم من أهل الشرك ، فالعطف على لفظ الجلالة ، والاستفعال فى المستضغفين للعد ، أى المعدودين ضعفاء ، أو للوجود ، أى موجودين ضعفاء ، أو للتعدية ، أى صيرهم المشركين ضعفاء ، وعلى كل حال لا يقدرون على الهجرة ﴿ مِنَ الرِّجَألِ وَالنِسَّآءُ وَالْوَالِدَانِ ﴾ النساء كلهن ضعاف إلا ما شذ ، والولدان كلهم ضعاف ، والرجال بعضهم ضعاف ، فتجعل من البيان على تقدير مضاف ، هو لفظ بعض ، أى وهم بعض الرجال ، وكل النساء والوالدان ، ولك أن تقدر بعضاً مراعاة للعهد الذهنى ، إذ عهدوا أن فى مكة رجالا ضعفاء ونساء وولدانا حبسهم المشركون عن الهجرة وآذوهم ، وضعفوا عن الهجرة لمرض أو ذل ، أو كبر سن أو خوف ، أو جهل طريق ، أو نحو ذلك ، قال ابن عباس رضى الله عنهما : كنت أنا وأمى من المستضعفين ، أمه من النساء وهو من الولدان ، وهو جمع ولد ، ويجوز أن يراد بالولدان الإماء والعبيد أطفالا أو بلغا ، يقال للعبد والأمة وليد ووليدة ، وغلب العبد فيراد بالرجال والنساء الأحرار ، والحرائر الشاملون للبلغ والصبيان ، والمتبادر أن الولدان الصبيان ، وفى الآية للمشركين إذ كانوا يضربون النساء والضعفاء والصبيان مع ضعفهم وعجزهم عن القتال ، ومع أن الصبيان لا ذنب لهم ، وقد كانوا فى الجاهلية يستقسون بهم وستدفعون البلاء بهم ، وجاءت السنة بالاستسقاء بهم ﴿ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا ﴾ ارزقنا خروجاً بوجه ما ﴿ مِنْ هَذَِهِ القَرْيَةِ ﴾ مكة ﴿ الظَّالِمَ أَهْلُهَا ﴾ أنفسهم بالشرك وغيرهم ، بظلمة فى بدنه وماله وحبسه عن الخروج ودعائه إلى الشرك ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيَّأ ﴾ يتولى أمرنا لمجير ﴿ وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً ﴾ يمنعنا من السوء ، فاستجاب الله D دعاءهم فيسر الله جل وعلا خير ولى وخير نصير ، وهو سيدنا محمد A ، أو هو عتاب ابن أسيد بفتح فكسر ، فتح مكة ، وولاه عليهم ، أو الناصر الذى أعطاهم الله رسول الله A ، لأنهم انتصروا بفتحه ، والولى عتاب ، وعلى كل حال تولاهم سبحانه الخروج لبعض قبل الفتح ، وقيل نصيراً بمعنى حجة ثابتة .