تيسير التفسير امحمد بن يوسف بن عيسى اطفيش، الشهير بـ «القطب» و «قطب الأيمة»

65

الجزء ١ · صفحة ٨٠

﴿ وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ﴾ عرفتم ، والمعرفة إدراك نفس الشىء ، جسما كان أو عرضا ، والعلم إدراكه على صفة كذا ، ولا يقل الله عارف أو عرف ، أو يعرف بالبناء للفاعل ، فقيل ، لأن المعرفة تقتضى تقدم الجهل ، وقيل لعدم التوفيق ، وقد يستعمل ، قيل بالجواز ، ولم يتقدم جهل تعالى الله ﴿ الَّذِينَ اعْتَدَوْا ﴾ جاوزوا الحد ، وقدر بعضهم مضافا ، أى : ولقد علمتم اعتداء الذين اعتدوا ﴿ مِنْكُمْ ﴾ بصيد السمك ﴿ فِى السَّبْتِ ﴾ وقد بعضهم مضافا ، أى فى حكم السبت وهو يوم ، أو مصدر أو الخطاب فى منكم وعلمتم لمن فى زمانه A من بنى إسرائيل ، وهم عارفون بقوم مسخوا فى زمان داود ، ولا يشترط العلم بالكنه فى لفظ المعرفة ، وقوم داود هم سبعون ألفا ، فى أرض أيلة ، بفتح الهمزة وإسكان الياء ، قرية على الساحل بين المدينة والطور ، صنف أمسك ونهى ، وصنف أمسك ولم ينه ، وصنف اصطاد ، وهم اثنا عشر ألفا ، شرعوا حياضاً ينزل الحوت فيها ، ولا يقدر ، على الخروج . ويصطادون ما فيها يوم الأحد ، فعلوا ذلك زماناً ، فقالوا ، قد أحل السبت ، فكانوا يصطادون فيه جهراً ، ويبيعون فى الأسواق ، وقد نهى الله عن الاصطياد فى اليوم الذى بعد يوم الجمعة ، أمروا بالتجرد للعبادة فى يوم ، فاختار موسى الجمعة ، وقيل ، أمروا بذلك ، وخالفوه للسبت ، لأنه يوم تم فيه الخلق ، فألزمهم الله إياه ، والسبت فى الأصل السبوت ، وهو الراحة ، أو من السبت وهو القطع ، قطع الله فيه الخلق وتم ، وأيضاً أمر الله اليهود بقطع الأشغال فيه ، والتفرغ للعبادة ، ولا يبعد تسميته بالسبت فى زمان موسى عليه السلام لذلك ، ولو كان تبديل أسماء الأسبوع بما هى عليه الآن واقعاً من العرب بعد عيسى عليه السلام ﴿ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةٍ خَسِئِينَ ﴾ أذلاء خاضعين ، ونجا الناهون ، والساكتون على الأصح ، لأن الساكتين أنكروا بقلوبهم فقط ، لوجود من أدى فرض النهى ، وأما الممسوخون خنازير فأصحاب المائدة ، وقيل ، مسخت شبانهم قردة ، وشيوخهم خنازير ، إلا أنه لم يذكر هنا الخنازير ، فهو يتعاوون كالقردة بأذناب كأذنابها ، ويعرفون قرابتهم ، ويحتكون إليهم ، عاشوا ثلاثة أيام ، وقيل سبعة ، وقيل ثمانية وماتوا ولم يأكلوا ولم يشربوا فى الأيام الثلاثة ، وقد كان قبلهم القردة والخنازير ، والممسوخ لانسل له ، كما روى عنه A ، ولأمر للتسخير ، إذ لا طاقة لهم أن يتحولوا قردة ، ولا يؤمر بما لا يطاق ، ولكنه مجاز عن تكوينهم قردة أو تمثيل بأمر من يطاع فوراً ، فهو أمر إيجاد لا أمر إيجاب ، كقوله تعالى ﴿ كن فيكون ﴾ وجمع السلامة لكونهم عقلاء قبل المسخ ، بل وبعده ، فإنهم يعرفون قرابتهم ، ويحتكون إليهم ، فيقولون لهم : ألم ننهكم فيجيبون برءوسهم ، بلى ، وتدمع عيونهم بكاء ، وإنما بدلت الصورة لا العقل إلى ما قيل ، الجمع بذلك تشبيه بالعقلاء ، وهم بعد المسخ مكلفون عند مجاهد ، وقيل لا .

٨٠ / ٦٬٠٩٣