(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) 49
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٦وليست بينهم وبينه علاقة دينية ولا سياسية مع كونهم قد أهمتهم أنفسهم بما يلقونه من التحدي ويكابدونه من المشاق لولا أن الله أراد أن يهيئ نفوسهم ويعد كواهلهم للاضطلاع برسالة عالمية ومهمة إنسانية لا تختص بشعب دون شعب ، ولا أرض دون أخرى .
وقد أدرك السلف الصالح حاجة الدعوة إلى دراسة أوضاع الناس السياسية والاجتماعية ، فكانوا لا يألون جهدا في البحث والتنقيب عما يفيدهم ويفيد دعوتهم من ذلك ليكونوا على خبرة مما يأتون ويذرون ، وعلى بينة مما كانت تفرزه الأحداث من نتائج يمكن تداركها بوسيلة أو أخرى ، أو يمكن استغلالها لمصلحة الحق والدعوة إلية ، وحسبي أن أذكر نموذجا حيا من تلك الشخصيات السلفية الفذة التي كان لها دور تأريخي لا تغيره الأحداث ولا يمحوه الزمن ، ذلكم هو الإمام العملاق أبو عبيدة مسلم بن أبي كريمة التميمي رضي الله تعالى عنه الذي لم يمنعه الإرهاب الأموي مع ما ابتلي به من فقر وضعف وعمى أن يشتغل بأحوال الناس ويعنى بقضايا المسلمين ، ويكل إلى الحجاج من تلامذته ومريديه أن يلتقوا بإخوانهم المسلمين الوافدين إلى رحاب بيت الله العتيق من أنحاء المعمورة ، ويكتشفوا منهم ما يعانونه من مشكلات ويقاسونه من الإرهاب والظلم ، أو ما عرفوه بالسماع من أحوال غيرهم ، وكان أولئك التلامذة والمريدون يجمعون حصيلة هذه المعلومات بعدما يلتقطونها من الأفواه فينقلونها إلى شيخهم الكبير وقائدهم المحنك ليدرس الأحوال كأنه ينظر إليها من كثب في وقت لم تكن تعرف فيه وسيلة من وسائل الإعلام إلا تناقل الألسن للأحداث وسير الركبان بأخبارها ، ولم يكن يألو جهدا أن يفكر في حل لكل مشكلة وعلاج لكل معضلة ؛ فعندما علم بما كان المسلمون البربر في بلاد المغرب يعانونه من قسوة ولاة بني أمية الذين لم تعرف الرحمة إلى قلوبهم سبيلا ، وما كانوا يفكرون فيه من وسائل التخلص من هذا العسف والظلم أرسل إليهم على الفور أحد رجاله الأفذاذ - سلمة بن