جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) 49

الجزء ٣ · صفحة ٢٣٧

سعد رحمه الله – الذي لم يتردد لحظة في قبول أوامر قائده والقيام بما وكله إليه على أحسن وجه حتى نتج عن ذلك قيام تلك الدولة العادلة التي أذاقت أبناء تلك المنطقة لذة العدل بعدما تجرعوا مرارة الظلم .

وبما أن السلف كانوا أغزر فهما لكتاب الله وأكثر دراية بمراشده استفادوا بتلاوتهم إياه من النواحي الاجتماعية كما استفادوا من الناحية الدينية ، فقد أثار في نفوسهم الهمة والرغبة في فهم أوضاع البشر والإطلاع على عجائب الأرض والتفكر في سنن الكون ، وقد أدى بهم ذلك إلى التضحية بجزء ثمين من وقتهم لأجل هذه الغاية ، ومن أمثال هؤلاء الإمام أبو يعقوب يوسف بن إبراهيم الوارجلاني الذي تحمل المشاق وصبر على وعثاء السفر حتى توغل في أعماق أفريقيا السوداء لأجل الوقوف على خط الاستواء والاستفادة في أقيسة الطول والعرض فكان رائدا في هذا العلم وعلما من أعلامه كما كان علما من أعلام الشريعة .

وقد سبق ابن خلدون صاحب العبر الأوروبيين بقرون في دراسة أصول الاجتماع وقواعد العمران ، فكانت عبره مرجعا لجميع عشاق هذا العلم .

وقد بلغت عناية السلف بالعلوم الإنسانية أنهم كانوا ينقلون الأحداث والتواريخ بالأسانيد كما ينقلون سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وعندما ساء فهم الناس للقرآن وأخذوا يتلونه للأسجاع والأغنام لا للاستفادة بفهم مراشده ودراسة مقاصده زهدوا في هذه العلوم فصاروا أكثر الناس تخلفا فيها حتى أن من يعنى بها من أبنائهم لا يتلقاها إلا من الغربيين وبحسب المفاهيم التي يعتقدونها والأساليب التي يتبعونها ، فلذلك أصبحنا أكثر الناس إفلاسا في تأريخ أنفسنا فضلا عن تأريخ غيرنا . هذا وقد سبق الكلام في (إذ) وذكر جانبا من اختلاف النحويين فيها في مثل هذا المقام في تفسير قوله تعالى : ( وإذ قلنا للملائكة اسجدوا) . وبناء على ما اخترته هناك من جواز نصبها على المفعولية ، فهي هنا معطوفة على مفعول (اذكروا) - وهو (نعمتي) - وهو

١٬٠١٢ / ١٬٢٢٠