(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) 49
الجزء ٣ · صفحة ٢٣٨من باب عطف الشيء على ما يصح إبداله منه ، وجعل الزمن نفسه مذكورا مع أن المقصود ﴿ بالذكر أحداثه لأن ذلك أبلغ في الدلالة على عموم هذه الأحداث ، ولا يمنع توسط : بين المعطوف والمعطوف عليه ليسا كالعامل والمعمول ومع ذلك ﴾ واتقوا يوما .. الآية يفصل بينهما في كثير من الحالات .
والتذكير بالنعمة مقرونا بذكر البلاء ليكون أبلغ وقعا في النفس فإن كل نعمة لا يقدرها قدرها إلا من سلبها ، فنعمة الغنى لا يعرف كنهها إلا من يكابد مشقة الفقر ، ونعمة الصحة لا يدرك حجمها إلا من يعاني من بلوى المرض ، ولذة النعيم لا يدريها إلا من تذوق آلام البؤس ، وقد أريد لهؤلاء المخاطبين أن يستحضروا حالة آبائهم وهم يرزحون تحت نير فرعون وآله ، ويتململون في قيود المهانة و الذلة ، ويواجهون في كل يوم صنوفا من البلاء ، ويتحملون ضروبا من العذاب ، وكيف كانت عناية الله بهم إذ غشيتهم نعمته بقدر ما لم يكونوا يتصورونه فأنقذتهم من كل ما كانوا فيه ، وأخرجتهم من الذلة إلى العز ، ومن الفقر إلى الغنى ، ومن التعب إلى الراحة ، ومن البؤس إلى النعيم ، والتذكير بهذا الأسلوب أدعى إلى الارعواء عن الغي ، والاستجابة إلى الرشد ، والقيام بواجب شكر المنعم قدر المستطاع .
وتذكير الأولاد بما أنعم على آبائهم لأنهم امتداد لهم ، أو لأنهم مخاطبون باعتبار أنهم جميعا أمة إسرائيلية ،و هذا هو الذي ذهب إليه الإمام محمد عبده ، وهذا نص المحكى عنه في المنار : ( خاطب الذين كانوا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم بما كان لآبائهم لأن الإنعام على أمة بعنوان أنها أمة كذا هو إنعام شامل للأمة من أصابه ذلك الإنعام من أفرادها ومن لم يصبه ، ويصح الامتنان به على اللاحقين منهم والسابقين ، كما يصح الفخر به منهم أجمعين ، كما أن الإنعام على شخص بشيء يختص بعضو من أعضائه كلبوس يلبسه أو لذيذ طعام يطعمه يكون إنعاما على الشخص ولا يقال إنه إنعام على لسان فلان ولا على