(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) 49
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٦وأما الشاهد الثاني فقد نظر فيه إلى وحدة المعطوف والمعطوف عليه من حيث الذات ونسى أنه من باب عطف الصفات بعضها على بعض ، فالمعطوف فيه غير المعطوف عليه ، وإن يكن الموصوف بها واحدا ، وقد تقدم ذلك .
والذي رجح العطف في سورة إبراهيم سبق قول الله فيها : (وذكرهم بأيام الله)(11) ، فإنه يشير إلى نعم متعددة أسبغها الله عليهم في هذه الأيام ، وإنما عظم شأن هذه النعم حتى عبر عن أوقاتها بأيام الله لعظم الشدائد التي سبقتها ، فبقدر هول المحنة تعظم نعمة الخلاص منها .
وقراءة الجمهور (يذبحون) بالتشديد ، وقرأ ابن محيصن بالتخفيف والتشديد أبلغ لدلالته على الكثرة ، و الذبح معروف وأصله الشق ، ولذا يسمى تشقق الأصابع ذباحا .
وأسند التذبيح إلى الآل لأنهم يباشرونه وإن كان فرعون هو الآمر به ، واستدل به على أن من باشر قتل أحدهم بأمر ظالم فالمباشر هو المقتول به ، وفي هذه المسألة خلاف بين الفقهاء ، قيل يقتلان جميعا ، وهذا بأمره وهذا بمباشرته القتل ، وهو المروي عن النخعي ، وقيل بالتفصيل فإن كان المأمور يعلم أن الآمر ظالم ولم يكن مكرها قتلا معا ، وإلا قتل الآمر دون المأمور ، وهو المروي عن مالك والشافعي ، وعليه فعلى المأمور نصف الدية ، وقيل بتفصيل آخر وهو قتلهما معا إن كان للآمر سلطان على المأمور ، وإلا فيقتل المأمور وحده ، وهو الذي عليه أصحابنا ، وعليه أكثر المالكية ، وقيل غير ذلك .
والمراد بالأبناء الأطفال كما يقتضيه الظاهر ، وذهب قوم إلى أن المراد به الرجال البالغون ، وقال ابن عاشور : ( وهذا الوجه أظهر وأوفق بأحوال الأمم ، إذ الظنون أن المحق والاستئصال إنما يقصد به الكبار ولأنه على الوجه الأول تكون الآية سكتت عن الرجال إلا أن يقال إنهم كانوا يذبحون الصغار قطعا للنسل ، ويسبون الأمهات استعبادا لهن ، ويبقون الرجال للخدمة حتى ينقرضوا على سبيل التدريج ، وإبقاء الرجال في مثل هذه الحالة أشد من قتلهم ، أو