(وإذ نجيناكم من آل فرعون يسومونكم سوء العذاب يذبحون أبناءكم ويستحيون نساءكم وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) 49
الجزء ٣ · صفحة ٢٤٧لعل تقصيرا ظهر من نساء بني إسرائيل مرضعات الأطفال ومربيات الصغار ، وكان سببه شغلهن بشؤون أبنائهن ، فكان المستعبدون لهن إذا غضبوا من ذلك قتلوا الطفل )(12) .
وعمدة أصحاب هذا القول مقابلة الأبناء بالنساء ، وليس في ذلك دليل لما قالوه كما سيأتي إن شاء الله ، والقول الأول هو للجمهور وبه نصت التوراة ، ويقويه أن موسى عندما خشيت عليه القتل أوحى الله إليها أن تجعله في التابوت وأن تلقيه في البحر ، وأن امرأة فرعون قالت لآل فرعون عندما التقطوه : ( لا تقتلوه عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا )(13) ، فلو كان القتل للرجال البلغ لما كان لخوف أم موسى عليه سبب ، ولا لقول امرأة فرعون وجه .
واستحياء النساء طلب حياتهن بالإعراض عن قتلهن ، وعد ذلك من سوء العذاب الذي يسومونهم إياه لأن القصد منه سيء للغاية إذ لم يريدوا باستحيائهن تسليمهن من القتل ، وإنما أرادوا به هتك أعراضهن وإنزال صنوف المهانة بهن وذلك أبلغ في إيذائهم وإيذائهن من القتل . فلربما تمنى الحر الأبي موته أو موت كرائمه عندما يجدهن معرضات لمثل هذا البلاء ، وكم سارعت الحرائر إلى الموت من تلقاء أنفسهن خشية العار واتقاء سوء الأحدوثة .
وعبر عن البنات بالنساء ولم يعبر عن الأبناء بالرجال لأنهم بقتلهم في طور الطفولة حيل بينهم وبين الوصول إلى طور الرجولة ، بخلافهن فإن استحياءهن سبب لبلوغهن مبلغ النساء البالغات .
وذهب بعض المفسرين في استحياء النساء مذهبا بعيدا وهو أن المراد به اكتشاف أحيائهن - أي فروجهن - ابتغاء معرفة كونهن حوامل أو غير حوامل ، وهو ضعيف ، فإن الحمل له قرائن بارزة وعلامات ظاهرة فما الذي يدعوهم إلى اكتشاف الفروج لأجل التفتيش عنه ، وليس فيها قرائن الحمل وعلاماته .
والبلاء الاختبار ، ومنه قوله تعالى : ( ليبلوني أأشكر أم أكفر ) (14) ، ويكون بالنعمة وبضدها ، ومن هنا اختلف في المشار ، وقيل : هو المحنة المتمثلة في سوم العذاب وتذبيح