جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50

الجزء ٣ · صفحة ٢٥٢

سبحانه حتى يتحقق أمره وتتجلى قدرته ، فلو أنهم قطعوا الطريق المألوفة وسلكوا شاطئ البحر الأبيض المتوسط – الذي كان يسمى ببحر الروم – لاختصروا المسافة وما كانوا يلجأون إلى خوض البحر غير أن هذا الطريق كانت محفوفة بالخطر بالنظر إلى حالهم ، فإن قوافل المصريين كانت تتردد فيها جيئة وذهابا ، وفي أعمال رسل الله سبحانه ما تقتضيه سنن الحياة من الأخذ بأسباب النجاح والابتعاد عن مظان الفشل ليكونوا أسوه لغيرهم وإن شملتهم عناية الله ، ولذلك لجأ موسى بقومه إلى ناحية لم تكن يطرقها السفار فيمم إلى الناحية الجنوبية الشرقية حتى انتهى إلى ساحل البحر الأحمر في مكان يسمى فم الحوريث ، وهناك فوجئ بنو إسرائيل بعدوهم القاسي يغشاهم بجنوده الغلاظ فقالوا لموسى : ( إنا لمدركون ، قال : كلا إن معي ربي سيهدين )(11) فتم ما أراده الله من إنجائهم وإهلاك عدوه وعدوهم بأمر لم يؤلف نظيرة وهو فرق البحر ( فكان كل فرق كالطود العظيم )(12) ، حتى جاوزه بنو إسرائيل إلى الضفة الأخرى ثم أطبقه على أعدائهم الذين كانوا يسرعون خلفهم لأجل الانتقام منهم فاجتمعت لهم من ذلك نعمتان كبيرتان ، إنجاؤهم من العدو والغرق ، وإهلاك عدوهم بما كان سببا لتنجيتهم وهم ينظرون ، كما ظهر لهم ولغيرهم من آيات الله في ذلك ما يستدعي رسوخ الإيمان وزيادة اليقين .

ويستفاد أن البحر المقصود في هذه الآية ونظائرها هو البحر الأحمر، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى : ( فأتبعوهم مشرقين )، وقد سمعت من أحد الفضلاء بمصر أن الخبراء الروس اكتشفوا آثار هذا الفرق في البحر المذكور وتلك من آيات الله التي تقوم بها حجته على الجاحد والمعاند .

وذهب بعض المفسرين إلى أن المراد بالبحر في هذه الآية وأشباهها النيل وأن غرق فرعون كان فيه . وهذا رأي مرفوض .

وقد كان انفلاق البحر مسببا عن ضربة موسى للعصا ، وذلك يستفاد من قوله عز من قائل : ( فأوحينا إلى موسى أن أضرب بعصاك البحر فانفلق فكان

١٬٠٢٧ / ١٬٢٢٠