(وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم و أغرقنا آل فرعون وأنتم تنظرون)50
الجزء ٣ · صفحة ٢٥٨لهم المكائد، ويكيل لهم الشرور.
ثانيتهما: شفاء غيظ صدورهم بمهلكه، فإن من شأن المظلوم أن يشعر بارتياح الضمير ولذة معنوية كبرى إذا تلقى ظالمه جزاءه، وقد تحقق ذلك كله بمرأى منهم لتطمئن نفوسهم ويلتذوا بهذا المشهد، مشهد المعجزة الخارقة للعادة التي أجراها الله على يد نبيهم، ومشهد نجاتهم بسبب هذه المعجزة، ومشهد هلاك عدوهم بما كانت به نجاتهم، وهذا كله يستفاد من تذييل الآية بقوله: ( وأنتم تنظرون).
ونسب الإغراق في الآية إلى آل فرعون، مع أن فرعون نفسه كان من الغارقين، كما نصت عليه آيات أخرى، منها قوله تعالى: ( حتى إذا أدركه الغرق)(32) ، وقوله: ( فأخذناه وجنوده فنبذناهم في اليم)(33) وذلك إما لأن استحقاق آلة الغرق- وهم له أتباع لا يصدرون إلا عنه في شرورهم، ولا ينفذون إلا رغباته في ظلمهم، لأنه رأس الشر ومصدر الظلم- يقضي بأنه أحق به منهم، فإذا ما نص على غرقهم كان ذلك أدل على أنه من الغارقين، وإما لأن آله هم الذين كانوا يباشرون تعذيبهم الجسدي والنفسي، فهم الذين سخروهم للأعمال الشاقة، وسفكوا دمائهم بأيديهم، وذبحوا أبنائهم، واستحيوا نسائهم، فكان إغراق أولئك الآل أشفى لغيظ صدورهم. وفي هذين الاحتمالين غنى عن دعوى بعضهم أن المراد بالآل نفس فرعون استنادا إلى ما روي عن الحسن البصري أنه كان يقول (اللهم صل على آل محمد)، ومراده اللهم صل على محمد، فإن في توجيه ذلك - إن صح النقل - احتمال، وإذا طرق الدليل الاحتمال سقط به الاستدلال.
وإن من دواعي الاعتبار وبواعث الاستعبار أن يكون هلاك فرعون بما كان يفاخر به ويباهي، فهو القائل: ( وهذه الأنهار تجري من تحتي)(34) فأهلكه الله بالماء، وهذه هي سنة الله في خلقه، فكل مغرور بشيء يأتيه قضاء الله من طريق غروره، وكم في الأرض من عات مشاقق سعى في الأرض فسادا وأهلك الحرث والنسل حتى إذا بلغ به الغرور أوجه وخيل إليه أنه ينطح السماء بفوديه. ويطأ الجوزاء بنعليه أخذه الله