جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

عجل السامري

الجزء ٣ · صفحة ٢٦٦

بهم موسى البحر: ( فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة )(5) ، وقد كانت تلك الأصنام تماثيل أبقار، وقد كان السامري قبل انكشاف أمره منافقا يظهر عند موسى ومن معه من المؤمنين الإيمان ويبطن في خفايا نفسه عقيدة وثنية.

قال ابن عاشور: (وإنما اتخذوا العجل تشبها بالكنعانيين الذين دخلوا إلى أرضهم - وهم الفينيقيون سكان سواحل بلاد الشام- فإنهم كانوا عبدة أوثان، وكان العجل مقدسا عندهم، وكانوا يمثلون أعظم الآلهة عندهم بصورة إنسان من نحاس له رأس عجل جالس على كرسي مادا ذراعيه كمتناول شيء يحتضنه وكانوا يحمونه بالنار من حفرة تحت كرسيه لا يتفطن لها الناس، فكانوا يقربون إليه القرابين، وربما قربوا له أطفالهم صغارا، فإذا وضع الطفل على ذراعيه اشتوى فظنوا ذلك أمارة قبول القربان، فتبا لجهلهم وما يصنعون، وكان يسمى عندهم (بعلا) وربما سموه (مولوك) وهم أمة سامية لغتها وعوائدها تشبه في الغالب لغة وعوائد العرب، فلما مر بهم بنو إسرائيل قالوا لموسى: ( اجعل لنا إلها كما لهم آلهة )، فانتهرهم موسى، فلما ذهب للمناجاة واستخلف عليهم هارون استضعفوه وظنوا أن موسى هلك، فاتخذوا العجل الذي صنعوه من ذهب وفضة من حليهم وعبدوه(6) .

ومراده سبحانه بقوله: ( من بعده )بعد ذهابه عنهم للدلائل القائمة على أن موسى عليه السلام كان حيا عندما عبد قومه العجل، والعطف بثم إما للمهلة الزمنية التي كانت بين بداية غيابه والاتخاذ، فإنهم اتخذوه بعدما مضى على غياب موسى عشرون يوما - كما قيل- وإما للمهلة الرتبية، وذلك لفظاعة هذا الأمر بحيث لا تكاد الأذهان تتصوره منهم بعد أن شاهدوا ما شاهدوا من الآيات الداعية إلى رسوخ الإيمان وصدق اليقين.

وقوله: ( وأنتم ظالمون )إما حال مؤكدة أريد بها تسفيههم وقطع عذرهم، فإن اتخاذ الأنداد لله سبحانه معلوم بالضرورة أنه ظلم، وإما حال مقيدة أريد بها التنصيص على أن الظلم لم

١٬٠٤١ / ١٬٢٢٠