عجل السامري
الجزء ٣ · صفحة ٢٦٧يفارقهم في فترة هذا الاتخاذ، أو أريد به استئصال توهم كون شبهة عرضت لهم في هذا الاتخاذ؛ وأرى أن هذا الوجه لا يختلف عن الذي قبله إلا اختلافا لفظيا.
والعفو لغة إزالة الأثر كما يقال: (عفت الريح أثره) إذا مسحته، واصطلاحا إسقاط عقوبة الجاني وإزالة ما يترتب على جنايته من الآثار المعنوية، وعفو الله عن عباده إسقاط عقوبتهم في الآخرة بقبول توبتهم وتكفير سيئاتهم، ويطلق على رفع العقوبات الدنيوية كما في قوله: ( وما أصابكم من مصيبة فيما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير )(7) ، والمراد بالعفو في هذه الآية قبول توبة بني إسرائيل من عبادتهم العجل، وثم هنا كسابقاتها، إما أن تكون للمهلة الزمنية لأن قبوله تعالى التوبة منهم كان بعدما رجع موسى إليهم وأمرهم بقتل أنفسهم تكفيرا لسيئتهم، ولا يخفى ما بين الأمرين من المهلة؛ وإما للمهلة الرتبية، وقد أراد الله بها شد عقول السامعين إلى سعة حلمه وواسع مغفرته، فبعد هذا العنت وهذه المكابرة للحق، ومغالطة الحقيقة م بني إسرائيل الذين بسط الله لهم نعمته، وأراهم في تنجيتهم من عدوهم آيته، قبل سبحانه توبتهم مع ما اقترفوه من الإشراك بالله، واتخاذ الند له تعالى.
وقد تقدم القول في لعل فيما تقد من تفسير هذه السورة، كما تقدم القول في الشكر في تفسير الفاتحة الشريفة، وإنما بقى أن أضيف إلى ذلك أن مادة الشكر تدل لغة على الظهور، فهي على النقيض من الكفر الدال على المواراة والإخفاء، ومن هذا الباب قولهم: (دابة شكور) إذا ظهر عليها من السمن فوق ما تعطي من العلف، والضدية المفهومة من هذين اللفظين لغة تنعكس عليهما اصطلاحا، فكما أن الشكر هو القيام بحقوق المنعم باستخدام نعمته في مراضيه، فكذلك الكفر هو التنكر لهذه النعمة بطمسها أو استخدامها فيما يسخط من أنعم بها، ويدل على هذا التقابل بينهما قوله تعالى حكاية عن عبده سليمان عليه السلام: ( ليبلوني أأشكر أم أكفر )(8) ، وقوله في الإنسان: ( إنا