جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )55 , 56

الجزء ٣ · صفحة ٢٧٩

والأول أصح لقوله تعالى: ( واختار موسى قومه سبعين رجلاً لميقاتهم فلما أخذتهم الرجفة قال رب لو شئت أهلكتهم من قبلُ وإياي )(2) .

واختلف في هذا الميقات؛ قيل: إنه الميقات الذي كان بعد تنجيتهم من فرعون وآله الذي وعد الله موسى أن ينزل عليه الكتاب فيه، وقيل: هو ميقات آخر واعد الله فيه موسى ليجيئه بسبعين رجلا من بني إسرائيل يعتذرون إليه مما وقعوا فيه من عبادة العجل، ومهما يكن فإن الظاهر أن هؤلاء كانوا من أفضل بني إسرائيل حسب ظاهر حالهم، فلذلك اختلفوا لما اختلفوا له من الشهادة لموسى عليه السلام بإنزال التوراة عليه، أو للوفود على الله للاعتذار إليه، ومع ذلك قالوا ما قالوا من كلمة الكفر إذ علقوا إيمانهم لموسى على ما يستحيل على الله، وحسبكم ذلك دليلا على شر طباعهم وتعفن أفكارهم وبعد ضلالهم، بأن المراد بنظرهم إلى أحوالهم، وما بقى في أجسامهم من أثر ولكن الحق تعالى لم يمهلهم في هذه المرة، بل صب عليهم سوط عذابه، وأذاقهم وبال ما ارتكبوه، إذ أخذتهم الصاعقة وهم ينظرون.

وقد قال جماعة من أهل التفسير وغيرهم إن الذي أطمعهم في رؤية الله سماعهم كلامه، فقاسوا الرؤية على السماع، وأكثر المفسرين على أن السماع كان خاصا بموسى وحده، وهو الذي يؤذن به قوله تعالى: ( إني اصطفيتك على الناس برسالاتي وبكلامي )(3) ، وكأني بأصحاب القول الأول يستدلون لقولهم بما جاء في سفر التثنية من التوراة مما يقتضي ثبوت السماع لهم، وقد علمتم أن نصوص التوراة لم تعد مما يعول عليه إثبات شيء أو نفيه لما خالطها من تحريف المحرفين وأضاليل الدجالينن،فغشيها من اللبس ما غشيها.

والصاعقة هي صوت مرجف ، وقيل: نار محرقة، وقيل: صوت مع نار، وقيل: هي الموت، وقيل: صوت جند الله لم يطيقوا سماعه، والصحيح الأول لقوله تعالى: ( فلما أخذتهم الرجفة )(4) .

وأخذها إياهم استيلاؤها عليهم وإحاطتها بهم.

وجملة ( وأنتم تنظرون )حالية، وهي دالة على أن الصاعقة

١٬٠٥٤ / ١٬٢٢٠