( وإذ قلتم يا موسى لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وأنتم تنظرون * ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون )55 , 56
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٠نزلت بهم وقد كانوا واعين بهولها محسين بشدتها حتى أهلكتهم، ولا داعي إلى التأويلات البعيدة التي حاولها المفسرون لتبيان مفهوم هذه الجملة، كقول القرطبي بأن المراد بنظرهم تقابلهم في حال الموت كما تقول العرب دور آل فلان تراءى، أي يقابل بعضهما بعضا، وقول غيره الصعق بعد البعث؛ وقول الآخرين بأنهم كانوا ينظر بعضهم إلى بعض عندما بعثهم الله بالإحياء مرة أخرى، فإن في ذلك من التكلف ما لا يخفى على متأمل.
وفي التأويلين الأخيرين خروج بجملة ( وأنتم تنظرون )عن الحالية، لأن نظرهم إلى آثار الصاعقة وإلى سريان الحياة في أجسامهم غير مقترن بنزول الصاعقة بهم، كيف وقد قيل إنهم ماتوا يوما وليلة، وقيل: يومين؟ وهذا كله مبني على أنها كانت ميتة حقيقية، وهو الذي يؤيده قوله تعالى: ( ثم بعثناكم من بعد موتكم )(5) .
وعليه فيكون هؤلاء من الذين ماتوا وأحيوا بعد الموت في الدار الدنيا ( كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أنى يحيي هذه الله بعد موتها فأماته الله مائة عام ثم بعثه )(6) ، وكالذي أخبر الله عنهم بقوله: ( ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهو ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم (7)) ، ويدخل ذلك في مقدورات الله الخارجية عن السنن المعهودة، وبهذا تعلمون أنه لا داعي إلى السؤال والجواب اللذين أوردهما الإمام ابن عاشور في قوله: ( فإن قلت إن الموت يقتضي انحلال التركيب المزاجي فكيف يكون البعث بعده في غير يوم إعادة الخلق؟ قلت الموت هو وقوف حركة القلب وتعطيل وظائف الدورة الدموية، فإذا حصل عن فساد فيها لم تعقبه حياة إلا في يوم إعادة الخلق، وهو المعنى بقوله تعالى: ( لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى )(8) ، وإذا حصل عن حادث قاهر مانع وظائف القلب من عملها كان للجسد حكم الموت في تلك الحالة، لكنه يقبل الرجوع إن عادت إليه أسباب الحياة بزوال الموانع العارضة،وقد صار الأطباء اليوم يعتبرون بعض الأحوال