( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )57
الجزء ٣ · صفحة ٢٨٧ومع ذلك لم تلبث الأمة التي بعث فيها _ عليه الصلاة والسلام أن انقادت لأمره واضطلعت بأمانته، فكان كل فرد منها كأنه رسول بُعث إلى أمة، يجسد بفعله وقوله قيم الدين ومبادئ الحق مع ما كان منها _ بادي الأمر _ من مجاهرة أكثرها بعدائه صلى الله عليه وسلم ، ومناصبته الحرب، ومعاكسته في الأمر، ولعمري إن هذا التحول السريع في مدة عقدين من السنين قضاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم بين ظهراني هذه الأمة مبلغا دعوة ربه، ومجاهدا في سبيله، لدليل كاف أن الله سبحانه، أعدها بتزكية فطرتها، وتنوير بصائرها، لحمل أمانة الرسالة الخاتمة الجامعة، ولأن تكون أمة وسطا شهيدة على سائر الأمم.
والأمر في قوله سبحانه: ( كلوا من طيبات ما رزقناكم )للامتنان ذلك لأن الموهوب يشعر بجسامة ما أنعم به الواهب إذا صرح له للانتفاع به، واستظهر منه بعض العلماء أنه لا يجوز لمن أحضر له الطعام أن يأكل منه حتى يؤمر بالأكل، والصحيح أن العرف كاف في إباحة الأكل في مثل هذه الحالة، والمسألة ونظائرها مبسوطة في كتب الفقه، والمراد بقوله: ( وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )أن عاقبة ظلمهم لم تعد إلا على أنفسهم، فالبعد وإن تطاول على ربه بأنواع المعاصي وصنوف الكفران فإنه لا يضر بذلك إلا نفسه، والله أجل من أن يلحقه ضرر أو يناله مكروه، ويجوز أن تكون هذه الجملة فذلكة لما وصفوا به من صفات الظلم من قبل، كاتخاذهم العجل، وسؤالهم الرؤية.
----------------------------------------------------------------
1 - سورة البقرة آية رقم 57.
2 - سورة المائدة آية رقم 24.
3 - التحرير والتنوير ج1، ص 509- الدار التونسية للنشر، مع الإحالة على سفر الخروج، والإصحاح 25- 32، وسفر العدد، الاصحاح9.
4- المنار- الجزء الأول ص 323، الطبعة الرابعة.
5- التحرير والتنوير، ص 501- الدار التونسية للنشر مع الإحالة على سفر الخروج، الإصحاح 16، وسفر العدد، الإصحاح 11.
6- الناطف: