جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وظللنا عليكم الغمام وأنزلنا عليكم المن والسلوى كلوا من طيبات ما رزقناكم وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون )57

الجزء ٣ · صفحة ٢٨٦

وانتقد هذا القول ابن عطية وادعى أن إجماع المفسرين على خلافه، وغلط الهذلي قائل البيت، وابن عطية هو الواقع في الغلط، فإن الهذلي هذا هو خالد بن زهير ممن يعتد بكلامه في اللسان العربي، واستدل ببيته هذا أئمة اللغة، كالمؤرج المذكور وابن سيدة والجوهري، وذكر المؤرِّج أن مجيء السلوى بمعنى العسل لغة كناية؛ وإنما الأقرب أن تكون السلوى في الآية من أنواع الطير كما رُوي عن السلف، وذكروا أن ريح الجنوب كانت تسوقها إليهم في كل يوم فيأخذون حاجتهم منها ليومهم، ولا يدخرون إلا ليوم السبت، وإن ادخروا لغيره فسد المدخر كما هو الشأن في المن كذلك، وإنما يأخذون منهما في يوم الجمعة ما يكفيهم له وللسبت بعده لأنهم كانوا يتفرغون يوم السبت للعبادة ولا يبرحون أمكنتهم.

ومع ظهور هذه الآيات بجانب المعجزات السابقة لم يبرحوا حالتهم التي ألفوها، لأنهم ألفوا الشقاق، ومردوا عليه، فظلوا في تيههم يتخبطون إلى أن مات هارون ثم موسى _ صلوات الله وسلامه على نبينا وعليهما _ وهلك ذلك الجيل العاتي، ونشأ جيل جديد أسلم منه فطرة، وأسس قيادا، وأوفى مروءة، وأرهف حسا، فقاتل به يوشع بن نون خليفة موسى _ عليهما السلام _ الجبارين، وفتح به الأرض المقدسة التي كتب الله لهم، فكان لهم التمكن في الأرض كما وعدهم الله حتى بدل أعقابهم وعادوا إلى ما كان عليه سلفهم الأولون من اللؤم والفساد، وقتلوا من قتلوا من النبيين، فأعقبهم الله ذلا وهوانا، وفتنة ودمروا، وهذه هي سنة الله في عباده ( وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون )(8)

وبهذا يتبين بعد البون بين حال أمتي محمد وموسى عليهما الصلاة والسلام، فنبينا محمد صلوات الله وسلامه عليه بعث في أمة بدائية ليس لها عهد بالنبوات منذ أمد بعيد، وقُرن بمعجزة معنوية، وهي القرآن الذي بُعث به _ لا كمعجزات موسى عليه السلام التي كانت تدرك بالحواس، وتتجلى لجميع الناس، كاليد والعصى، وفرق البحر، ونزول المن والسلوى،

١٬٠٦١ / ١٬٢٢٠