جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ قلنا ادخلوا هذه القرية فكلوا منها حيث شئتم رغدا وادخلوا الباب سجدا وقولوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد المحسنين فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم فأنزلنا على الذين ظلموا رجزا من السماء بما كانوا يفسقون )58 , 59

الجزء ٣ · صفحة ٢٩٠

راقية، وقوى مكينة واسعة، فاسمعوا إن شئتم إلى قوله: ( ألم يروا كم أهلكنا من قبلهم من قرن مكناهم في الأرض ما لم نمكن لكم وأرسلنا السماء عليهم مدرارا وجعلنا الأنهار تجري من تحتهم )(2) ، وقوله: ( أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم كانوا أشد منهم قوة وأثاروا الأرض وعمروها أكثر مما عمروها )(3) ؛ وتجدون فيما وصف الله به عادا وثمود وقوم فرعون وغيرهم ما يدلكم على أنهم كانت لهم مدن واسعة مغرية بسعة عمرانها وكثرة سكانها، ومع ذلك فقد سماهم الله أهل القرى في مواضع من كتابه كالذي تجدونه في سورة هود بعد أن قص الله نبأ قوم نوح وقوم هود وقوم صالح وأصحاب مدين وقوم لوط وفرعون وآله حيث قال: ( ذلك من أنباء القرى نقصه عليك )(4) وقال: ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة )(5) ، وحكى الله عن أبناء يعقوب قولهم: ( واسأل القرية التي كنا فيها )(6) ، مع العلم بأنهم كانوا في بلدة جمعت فيها خزائن الأرض، والتقت فيها القوافل، وتزاحمت بها الأقدام، وهذا ما لا يكون عادة إلا في المدن الكبرى التي اصطلحوا على تسميتها عواصم وحكى عن المشركين قولهم: ( لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم )(7) ، ومرادهم مكة والطائف، وكلتا البلدتين كانتا من البلدان العربية المتسعة المعمران.

واختلف في هذه القرية، فقيل: هي بيت المقدس، وهو قول قتادة والسدي والربيع أخرجه عنهم ابن جرير، واستدل له بقول الله تعالى حاكيا عن موسى عليه السلام : ( يا قوم ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم )(8) ، وتُعقِّب بأنهم لم يدخلوا الأرض المقدسة في أيام موسى عليه السلام لأن موسى مات في التيه وقد افتتحوها بعدما خرجوا منه بقيادة خليفته يوشع بن نون عليهما السلام، ورد بأن قائل ( ادخلوا القرية ) مبهم فلا يلزم أن يكون موسى، ولا مانع أن يكون يوشع.

وهذا الرد مردود بما في سورة المائدة، فإن الآية قبل قوله: ( ادخلوا الأرض

١٬٠٦٥ / ١٬٢٢٠