جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصا كالحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) 60

الجزء ٣ · صفحة ٣٠٢

الذي أمره الله أن يضربه بعصاه؛ قيل: هو ما شاء من الأحجار، وقيل: هو الحجر الذي مشى بثوبه – حسبما قيل – وقيل: هو حجر آخر خاص حجمه كرأس الشاة يحملونه معهم إذا ارتحلوا، ويضعونه بينهم إذا نزلوا، فإذا احتاجوا إلى السقي ضربه موسى بعصاه، فتفجرت منه العيون، وإذا رووا واكتفوا ضربه كذلك فانقطع منه الجري، وقد تقدم أنه جاء في التوراة بأنه صخرة في حوريب – وهي بقعة بطور سيناء - ؛ وعلى الأول فالتعريف للجنس، يرجحه أن الجنس أسبق من غيره في التعارض، وهو كذلك أدخل في الإعجاز، فإن ضرب أي حجر كان أدل على القدرة وأدعى إلى الاستغراب من ضرب حجر بعينه وعلى الثاني فالتعريف للعهد وهو ذهني لعدم سبق ذكر للمعهود.

والانفجار هو الانصداع ويُعبر عنه بالانبجاس كما في سورة الأعراف، وفرق بعضهم بينهما بأن الانبجاس أول خروج الماء والانفجار اتساعه وكثرته، وعلى التفريق فلا تضاد بين العبارتين لوقوع الأمرين في القصة.

والعين هي منبع الماء وتُجمع على عيون قياساً وعلى أعين سماعاً. وأنكر بعض الطبعيين صحة هذه القصة لمخالفتها ما استقرت عليه عادة الأشياء بحسب طبائعها المألوفة، وهو جهل عظيم بقدرة الخالق الذي طبع الكون بحسب نواميسه المألوفة وهو القادر على خرق تلك النواميس وإحالة تلك الطبائع إذا ما أراد ذلك، على أن أفراد الجنس الواحد تكون لها طبائع شتى مختلفة باختلاف ما جعل الله فيها من الخاصية فطبائع الأحجار ليست واحدة فمن الأحجار ما هو حالق للشعر لا يكاد يدنو منه حتى يحلقه، ومنها ما هو مغناطيسي إذا قُرب من الحديد جذبه إليه فما المانع عقلا من أن يودع الله هذا الحجر خاصية اجتذاب الماء من جوف الأرض حتى يتفجر منه عيونا أو ارتشاق الهواء الندي من الكرة الأثيرية وتكييفه حتى يخرج منه سلسبيلا عذبا.

وتعدد العيون إلى اثني عشر عينا للحكمة التي أشرت إليها في أول تفسير الآية، وهي أن بني إسرائيل كانوا اثني عشر سبطا، فلو جرت لهم عين

١٬٠٧٧ / ١٬٢٢٠