( وإذ استسقى موسى لقومه فقلنا اضرب بعصا كالحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم كلوا واشربوا من رزق الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين ) 60
الجزء ٣ · صفحة ٣٠٣واحدة فحسب أدى ذلك إلى التسابق إليها والتقاتل عليها حرصا من كل طائفة أن تكون هي السابقة في الورد، أما وقد تعددت العيون بعدد الأسباط وعرف كل سبط – وعُبِّر عنه بأناس – مشربه فلا داعي إلى الشقاق لعدم الاحتكاك بين الأسباط واتساع الموارد واختصاص كل سبط بمورده، والتلاحم الأخوي بين أفراد السبط الواحد يرفع عنهم الخلاف والنزاع في الورد.
والأمر بالأكل والشرب للإباحة المصحوبة بالامتنان، ورزق الله مما أنزله عليهم من المن والسلوى، فجَّره لهم من الماء؛ وأضيف الرزق إلى اسم الجلالة، ولم يضف إلي الضمير ليوافق ( قلنا ) للتنبيه بأن هذا أخطاب وجه إليهم بلسان موسى عليه السلام .
و ( تعثروا ) كترضوا، ماضيه عثى كرضى، ومضارعه يعثى كيرضى، وقياس مصدره عثاً على وزن فعل – بالتحريك – غير أن هذا المقيس لم ينقل العرب، وإنما المنقول عنهم عُثىُّ- بكسر العين وضمها وتشديد الياء- وعثيان – بالتحريك – هذه هي لغة أهل الحجاز، وعليها أجمع القراء، أما عند غيرهم فهو عثا يعثوا عُثوا، نحو سما يسمو سُموا، وأصله مطلق الإفراط، وغُلِّب على الإفراط في الفساد، وقيل هو أشد الفساد، وقيل مطلقه، وعلى الأول فالحال مبينة، وعلى الأخيرين مؤكدة، وحمله الزمخشري على التمادي، وعليه فإن المنهي عنه استمرارهم في الفساد الذي هم واقعون فيه، ويستنتج - على هذا الوجه، وعلى بعض الوجوه السابقة- من هذا النهي أنهم كانوا موغلين في الغي، منهمكين في الفساد - كما هو واضح مما وصفوا به في الآيات السابقة وغيرها- فنهوا عن الاستمرار في الغي، والتمادي في هذا الفساد في معرض الامتنان عليهم بما هم في أشد الحاجة إليه من الطعام والشراب اللذين ساقهما الله إليهم من غير عناء ولا تكلف ليكون ذلك أدعى إلى الطاعة والامتنان، فإن من شأن المأمور أن يبادر إلى طاعة الآمر، ويتحرى مرضاته عندما يشعر بسوابغ نعمه تحيط به من كل جانب في حال هو فيها أشد ما يكون حاجة إليها، ولكن