جواهر التفسير .. أنوار من بيان التنزيل [حسب الآيات] (نسخة أ، 1265ص) أحمد بن حمد بن سليمان الخليلي

وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ... بما عصوا وكانوا يعتدون 61

الجزء ٣ · صفحة ٣١٦

وموسى فحبسوا في التيه لامتناعهم عن مقاتلة الجبارين ودُؤ وبهم على العنت، وقد مُثِّلوا في ذريتهم الين كانوا بالمدينة عند نزول الوحي فخوطبوا من خلالهم والمقصودين بالحديث المسوق مساق الغيبة جميع فئاتهم العاتين عن أمر الله والمناوئين لأنبيائهم في جميع العصور، ويندرج فيهم الذين كانوا في عصره صلى الله عليه وسلم .

ويتجه لي أن العطف في قوله: ( وضربت.........الخ )هو من باب عطف القصة على القصة، لك لأن الله حكى قصتهم مع موسى مبتدئا بتنجيتهم من فرعون وآله ومقررا ما حصل منهم من كفر وجدل واستخفاف وعصيان، ثم أتبع لك تبيان عاقبة أمرهم ونتيجة فعلهم، وهو ما لزمهم من الذلة والمسكنة وما انقلبوا إليه من غضب الله سبحانه وتعالى، وهو لا ينافي ما ذكرته من قبل من الاستدلال بهذا المعطوف على عدم إقرارهم على ما سألوه من إبدال عيشهم بما كانوا آلفيه من قبل لأن ذلك السؤال هو الحلقة الأخيرة في سلسلة الأسباب المذكورة التي أدت بهم إلى هذه العاقبة الوخيمة والنتيجة السيئة، ولأن قرن الأخبار بهذه العاقبة مع جواب موسى لهم موح بأن لسؤالهم أثر في حصول هذه العاقبة لهم.

والضرب الإلزام والقضاء، ويرجع أصله إلى وقع جسم على جسم، كضرب اليد بالأرض، ومثله الضرب بالسيف أو العصى، واستُعمل في معان تقتضي شدة اللصوق كالضرب في الأرض بمعنى السير فيها، وضرب القبة والبيت بمعنى شدهما ووثقهما من الأرض، وضرب الطين بالجدار إذا ألصق به، ومنه ضرب لازب، ومادته تدل على الشدة، ويراد بضرب الذلة والمسكنة عليهم إلصاقها بهم كما يلتصق الطين بالجدار أو إحاطتهم بهما كما تحيط الخيمة بالموضع الذي ضربت فيه، ومن حيث إن حروف الضرب تشي بالشدة، كان اختيار هذا اللفظ على غيره في الإخبار عما لحقهم من الذل والهوان أعمق في الدلالة على المعنى وأكثر تناسبا مع المقام.

والذلة هوان النفس وصغارها، وهو خلق نفساني دنيء يدفع بصاحبه إلى الاستخذاء والاستكانة للمتسلط

١٬٠٩١ / ١٬٢٢٠