وإذ قلتم يا موسى لن نصبر على طعام واحد ... بما عصوا وكانوا يعتدون 61
الجزء ٣ · صفحة ٣١٥أهلا لما وعدكم الله به من الاستخلاف، وتجدوا هناك كل ما سألتم.
ومنشأ هذا كله جعل الأمر بالهبوط أمرا شرعيا، أي أمر إباحة وهو يتعارض مع ما سبقه من الإنكار عليهم أن يستبدلوا الأدنى بالذي هو خير، ومن العجب العجيب أن يستدل مستدل بما في القرآن من توريث بني إسرائيل أموال فرعون وآله على خروجهم من التيه إلى مصر غافلا عما يكتنف هذا الأمر بالهبوط قبله وبعده من الإنكار والوعيد.
والصحيح أن الأمر بالهبوط هنا ليس أمرا تشريعيا وإنما هو أمر تعجيزي على حد قوله عز وجل: ( قُل كونوا حجارةً أو حديداً ) (19)، وقد أريد به تبكيتهم على نزوعهم إلى مضارب هوانهم ومواطن ذلهم، حيث كانوا يتململون تحت نير القهر، ووطأة العذاب من فرعون وآله، وعليه فمصر هو البلد المعروف ولا إشكال في صرفه لجواز صرف الأعلام الثلاثية المسكنة الوسط لخفتها في النطق وإن استحقت منع الصرف لوجود سببيه، كنوح ولوط، ودعد وهند، ومجيؤه في القرآن غير مصروف تارة لا يمنع صرفه تارة أخرى لأنه من باب التفنن.
أما ما قاله أبو حيان من أن لمصر حكما آخر غير حكم نوح ولوط، ودعد وهند، لأن فيها سببين من أسباب منع الصرف، وفيه ثلاثة أسباب وهي التأنيث والعلمية والعجمية؛(20) فهو مردود من وجهين:
أولهما: أن جواز صرف تلك الأسماء مع وجود السببين المانعين منه إنما هو لمجرد الخفة في النطق التي يشاركها فيها مصر لأنها ناشئة عن تسكين الوسط.
ثانيهما: أن عجمة مصر التي ادعاها غير مسلَّمة وقد سبق بيان اشتقاقه من الألفاظ العربية وهذا الاشتقاق أورده أبو حيان نفسه(21) .
وليس قوله: ( فإن لكم ما سألتم )تعليلا للأمر ولا جوابا له لاستلزام ذلك الترغيب فيه مع اقتضاء المقام خلافه كما هو واضح من كون الأمر تعجيزيا.
ولا التفات في قوله: ( وضربت عليهم الذلة والسكينة )على الصحيح وإن خرج الكلام من الخطاب إلى الغيبة لأن المقصودين في الحديث الخطابي الذين تمردوا على أوامر الله ورسوله